الرئيسية / home slide / الحجاب كحاجب للشهوة

الحجاب كحاجب للشهوة

14-12-2022 | 05:20 المصدر: النهار العربي

راغب جابر

راغب جابر

تعبيرية

ربما كان حجاب المرأة في الإسلام هو الموضوع الأكثر إثارة للجدل في أوساط المسلمين، وغير المسلمين، متقدماً على تعدد الزوجات الإشكالي في شروطه وتطبيقاته. والموضوع الذي عالجه مختصون في علم الاجتماع وعلوم الدين لم ينتهِ الى قناعات موحدة، ولن ينتهي، وسيبقى مثار خلاف الى يوم الدين ليفصل الله بين البشر ويسقط حكمه المبرم.

موضوع الحجاب وتعدد الزوجات ومواضيع أخرى لها علاقة بالعلاقات بين الرجال والنساء، العاطفية منها والزوجية والجنسية، تناولها القرآن الكريم بشيء من التفصيل، ثم زاد الرسول في أحاديثه المنقولة شرحاً وتبعه نقَلة الحديث وكتابه والأئمة والفقهاء وأصحاب المذاهب المتعددة بتعدد الطوائف والفرق. وعلى شاكلة الاختلافات السياسية التي غرق فيها المسلمون منذ وفاة الرسول، غرق المفسرون والشارحون وأولو الأمر والفقهاء في فتاوى التحليل والتحريم والجواز وعدم الجواز في خصوص قضايا المرأة والرجل بشكل خاص.

الحجاب وظيفة حاجبة للجنس بشكله الأولي أي الاشتهاء، وإشارة الى المناعة، مناعة المرأة التي كأنما تقول “لا تقربوني”. لكن هذا كله ليس بديهياً، ليس الاشتهاء متعلقاً فقط بما تظهره المرأة بل ربما يكون متعلقاً أكثر بما تخفيه. على كل حال ليس النقاش هنا في الدين إنما في بعض الظواهر المحيطة بالدين أو المتفرعة منه.

الداعي الى الحديث عن الحجاب هو ما أطلق عليه “ثورة النساء في ايران” التي بدأت بسبب حجاب امرأة محجبة قسراً كعدد كبير من الإيرانيات اللواتي يضعن حجاباً يخفي بعض الشعر ويترك مقدمة الرأس شبه حاسرة. واقع الأمر أن الحجاب في إيران وفي بعض المجتمعات الأخرى، هو إلزامي باعتباره فرضاً دينياً منصوصاً عليه بصريح العبارة القرآنية وبالتزام نساء الرسول والمسلمات على مدى العصور ارتداءه. لكن الحجاب، ومنذ قرن تقريباً بدأ يفقد هذا الالتزام الجماعي به. بدأت النساء يتذمرن من ثقله ومن رمزيته ومن لونه الأسود غالباً. كان لباساً للخارج فقط، في بيوتهن ما كنّ يرتدينه إلا إذا دخل غريب، والغريب هو كل من ليس أخاً أو ابناً أو ابن أخ أو ابن أخت أو خالاً أو عمّاً أو جدّاً. أكثر من ذلك كانت بعض النساء يعتبرنه دليلاً على سلطة الرجل وسطوته وعلى “العار” الذي يمثله جسد المرأة، بل حتى خصلة من شعرها.

لم يكن ممكناً الوقوف في وجه موجة تحرر المرأة العربية (الإسلامية)، لا في المشرق العربي ولا في المغرب. انفتحت أبواب الغرب وسافرت النخب العربية الى أوروبا وتفتحت على حياة مختلفة كلياً وعلى مجتمعات خرجت فيها المرأة الى العلم والعمل وأصبحت ملكة وأميرة ووزيرة وسفيرة.

السياق التاريخي لتطور المجتمعات جعل المرأة في عالم الإسلام تتخفف شيئاً فشيئاً من حمل الثياب الثقيل. المعطف والملاءة والكفوف والخمار… وشيئاً فشيئاً أصبح الأمر عادياً. لم يعد الحجاب حاجباً للاشتهاء، ولم يعد ينظر الى شعر المرأة باعتباره محفزاً للشهوة، وبعد انحسار حجاب الرأس أتت موجة “تحرر” الجسد. اشتد الصراع بين المؤسسات الدينية والعلمانيين حول تحرر المرأة. ارتفعت الأصوات النسوية بمؤازرة رجالية، ولو محدودة، يبرز فيها اسم قاسم أمين في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في عز ما سمّي بعصر النهضة الذي استلهم أفكاره من الغرب على أيدي رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وغيرهما ممن تعرفوا الى الثقافة الغربية، وبدأت صورة المجتمع تتغير منذ بداية القرن العشرين.

ليست النساء الإيرانيات أول من خلعن الحجاب ورمينه أرضاً، سبقتهن الى ذلك نساء مصريات يُعتبرن من رائدات الحركة النسوية في العالم العربي (الإسلامي). في استقبال سعد زغلول الزعيم المصري العائد من غربة قسرية عام 1920خلعت هدى شعراوي الناشطة النسوية المصرية وزميلتها سيزا نبراوي حجابيهما ورمتاهما أرضاً قبل أن تقرآ الفاتحة وتصعدا الى الباخرة لاستقبال سعد.

لم يعد الحجاب حجاباً بالشكل الذي يريده الأصوليون، الشيعة والسنة، النقاب والشادور لم يعودا خياراً نسائياً، غالباً هما مفروضان فرضاً. الحجاب دخل في أكسسوارات الموضة والأناقة. المرأة المحجبة هي امرأة تتبرج وتتجمل وتخرج الى العمل وتخالط الرجال وتحضر الحفلات الغنائية وترقص في الأعراس والمناسبات بحضور الرجال. ليس الأمر كذلك ربما في مدن إيران المراقبة بشدة، لكن ما كل الأمكنة تمكن مراقبتها، وما يحدث حالياً له تتمات.

قضية الحجاب المطروحة على شكل أزمة في إيران اليوم ليست جديدة، هي قضية اسلامية عامة تعني كل البلدان الإسلامية وستبقى قائمة. تأويل النص والاجتهاد فيه يبدوان مستحيلين لدى المؤسسات الدينية، والعودة الى الوراء مستحيلة لدى النساء (والرجال) الذين لم يعد الحجاب يمثل لهم حاجباً. إنه صراع مديد يبدو أن المرأة نفسها هي الوحيدة القادرة على حسمه. الإشارات واضحة لمن يريد أن يلاحظ.