الرئيسية / أضواء على / الحب والسفر بين عبدالسلام العجيلي وعلي القاسمي

الحب والسفر بين عبدالسلام العجيلي وعلي القاسمي

 صالح الرزوق 
القدس العربي
01072020

في مجموعته القصصية «الحب في أوسلو» يعيد علي القاسمي للأذهان شخصية السوري المرحوم عبد السلام العجيلي. فقصص المجموعة، وهي بالعدد تسع قصص، تحمل أعراض ما أسميه متلازمة العجيلي. ولهذه المتلازمة مجموعة أعراض أو قرائن.
أول قرينة أنها تركز على السفر والترحال، ابتداء من «الجريمة الكاملة»، وحتى «الصديقة الفرنسية»، وضمنا القصة التي حملت المجموعة اسمها. والترحال هنا بعيد كل البعد عن الحركة في المكان، حسب طريقة أدباء ما بعد الحرب العالمية الثانية مثل سيمون دوبوفوار وهنري ميلر «في البر» ووليام غولدنغ في «مياه المحيطات والبحار». فالقاسمي شأنه شأن العجيلي يحتفظ في رأسه بعين كاميرا تسجل ما ترى، وتنتبه للمعالم السياحية. وهو على شاكلته أيضا يحقن قصصه بمعلومات سياحية، وأحيانا تبدو كأنها إسقاطات من وعي الكاتب لوعي القارئ، فهي جزء من نظام الإنارة، أو أنها تأتي على هامش لعبة الخيال الفني، كما في قصة «الجريمة الكاملة». وفيها يتابع حكاية حب بين الراوي والدكتورة مادهو.
ومن الواضح أن المتن أشبه بعلبة من المعلومات السياحية التي لا تضيف شيئا للحبكة، وتبدو كما لو أنها جزء من لعبة الكاتب، أو رسالته. بغرض تكوين صورة عن الخلفيات الروحية لحضارة المشرق. وهنا يجدر بي الإشارة إلى أن الترحال شيء يخالف السفر المجرد. فهو تعبير عن قلق الشخصيات ورفضها لقانون الواقع الذي تريد أن تنفصل عنه، أو أنه تعبير عن بداوة طبيعية ربما تجد ما يوازيها في حياة الهيبيز وأدباء الجيل الغاضب في أوروبا. في حين أن السفر جزء من أيديولوجيا إعادة الإعمار النفسي للذات والتصالح مع الآخر، أو أنه نفي لشروط الحرب مع المكان. بتعبير آخر السفر له وظيفة نفعية بينما الترحال له وظيفة درامية.
ثاني قرينة أن الواقع يختلط بمجموعة من الأحلام. وإذا كان من الصعب أن تعزل هذه المكونات في قصص العجيلي، ودائما يصعب على القارئ أن يحدد متى تنتهي المشاهدة عنده، ومتى تبدأ الرؤية، فإن القاسمي يلتزم بقانون الوعي والتسلسل، ويضع خطوطا فاصلة بين العالمين. وتستطيع أن تلاحظ أن الشخصيات تحلم أو أنها تعيش دورة حياتها اليومية بشكل طبيعي. وهذا هو الحال في ثلاث قصص على الأقل هي «الحج» و»حلم» و»التخاطر»، وفيها استعمل القاسمي رؤياه ليزيد من مساحة فهمنا لمعاناة شخصياته من الواقع، وبالأخص أن نصف أبطاله من العالم الثالث، بالإضافة لتداخل الحدود بين الإنسان والعالم. ففي قصة «التخاطر» أنت لا تعرف من هو الملام عن الفجوة النفسية التي تسبب لنا العطالة والجمود. هل هو التكاسل طبع الإنسان؟ أم أنه المجتمع القوانين الموضوعة؟


ثالث قرينة هي العلاقة الشائكة بين مادية الغرب وروحانية الشرق. وبكل سهولة تستطيع أن تجد علامات متفرقة على دراما المعرفة والمحبة، كما اعتاد العجيلي أن يفعل، ولا سيما في قصته الطويلة «رصيف العذراء السوداء»، فهي قصة بطيئة الإيقاع، ولكنها واضحة المضمون، وتتناول مفهوم الحضارات لمعنى التعاطف. والحقيقة أن هذا هو موضوع قصة «الحب في أوسلو» بالضبط، وإذا كان الراوي مجرد شاهد على الأحداث، وأن العلاقة الغرامية هي بين أمريكي وهولندية، هذا لا يمنع من الاستماع لدقات قلب القاسمي. وعلى وجه الخصوص في الخاتمة، حينما يقول سليم (راوي القصة) لـ»غابي» (الهولندية) : أية أخلاق وأية مثل وأية قيم تعلمين صغارك؟ ثم يردف: أكاد أتقيأ من أخلاقك الدنيئة. هذا قبل أن يعلن بأعلى صوت ممكن: لا أريد أن أرى هذه البلاد. ومثل هذه القطيعة التي تحارب بسيف الأخلاق، وقبل ذلك بسلاح الشرف والعفة، هي نقطة المركز في أعمال العجيلي كلها، إن لم نقل في كل ما أنتجته المطابع من أعمال وأدبيات عن الرحلة العلمية، ثم الوقوع في الحب واكتشاف ماكياج الغرب الذي يخفي أخطاءه ومعايبه وراء قناع جذاب. ويمكن أن تقول إن هذه الموجة من الروايات نظرت للغرب نظرة ملؤها الريبة، وكانت ترى أنه ينهب ويغتال عفتها ومعدنها البريء.
وتبقى مشكلة أخيرة وهي الشعوذة. وغني عن القول إن العجيلي وظفها بسياق إيجابي أحيانا، ومن باب ذكر الوقائع والإحاطة والشمول. فقد كان يعتقد أن العجائب هي أقصر طريق للوصول إلى الحقيقة، وهذا تكوين أساسي من البنية الشعبية لعقل ألف ليلة وليلة، فالخوارق كانت طريق المساكين لكسب أرض أو فضاء لهم، وكان المساكين في العقل الشعبي يقايضون حريتهم بخيالهم، بمعنى أنهم يستكينون للواقع في الوعي ويتمردون عليه باللاشعور، وهي حيلة معروفة للاكتفاء الذاتي، ولا تختلف عن أي طريقة غير موضوعية للدفاع عن الذات .
لكن القاسمي يستغل ذلك عمدا، ويسلط القصاص العادل على المشعوذ في الخاتمة، كما فعل في قصة «الساحر»، إنما هذا لا يمنعه من أن يحقن قصته بقانون الصدفة، ويدفع ساحره للسقوط في غرام ضحية من ضحاياه. وساعدت هذه البنية المركبة القصة على نهب المكونات الفنية، وفي النهاية رسمت شخصيات مفتوحة يسهل قراءة مغزاها، وتسهل حركة العبور بين الحدود، بلغة نقدية: إنها تقرب القصة من مبدأ سيولة الواقع، وتساعد على دمج المقروء مع المكتوب بفضاء واحد.

بقيت ملاحظتان لا بد منهما.

الأولى خاصة باللغة، ويمكن القول إن القاسمي بلغته وتراكيبه يميل للفصاحة، ويستعمل مفردات من قامــــوس اللغــــــة المكتوبة، ولــذلك هو بعيد كل البعد عن اللغة الفكاهية التي لجأ لها العجيلي في عدة مناسبات، وبالأخص قصصه عن فيلمون وهبة وغيره. ولا يوجد عندي تـــبرير غير طبيعة كل كاتب. فالقاسمي عضو في مجمع اللغة العربية في دمشق، وهو مؤسسة حارسة للسان العربي. في حين أن العجيلي لم يسبق له أن اهتم بصناعة اللغة أو مدارس النحو عند العرب. وهو طبيب ونائب سابق في البرلمان السوري.
الثانية نظافة قصص القاسمي من السياسة، والتعالي على الهموم اليومية، والدوران في دائرة من هموم النخبة، حتى أن أبطاله هم غالبا من طلاب أعرق الجامعات. كما أنه لا يقترب من القضية المركزية عند العجيلي وهي فلسطين. وبدون أي شك إن قصص العجيلي الفدائية ومشاهداته عن جيش الإنقاذ، غائبة تماما عن جو القاسمي. وفي رأيي إن الروح الملحمية لأعمال العجيلي ناجمة عن قانون مرحلته، فقد عاش بين جيلين حملا عبء صعود المشروع الوطني العربي: جيل الاستقلال ثم جيل ثورات التحرير (أو الانقلابات العسكرية التي بدلت الواقع الاجتماعي والسياسي للمنطقة). بينما كانت فترة القاسمي أقرب للركود إن لم نقل النكوص والتراجع. لقد غربت عنها شمس هذه المشروعات، ولم نعد نسمع شيئا عن أجندة العقد الخامس (1950 – 1960). ولا سيما في ما يتعلق بشعار تحرير فلسطين وتوحيد أو رص صفوف الأمة. وبالعكس بدأنا نهتم بالدعوة لإلغاء عسكرة الدولة، والالتحاق بالمجتمع المدني وبرامجه. والحقيقة أنه إذا كان على سفريات العجيلي أن تشبه غزوات لعواصم العالم، يجب أن تكون سفريات القاسمي، محاولة للبحث عن المعرفة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الطابع الأخلاقي للحضارة.

٭ صدرت الطبعة الثالثة من المجموعة عن دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب في 221 ص.

٭ كاتب سوري