الرئيسية / home slide / الجيل الريحاني الثالث نموذجًا

الجيل الريحاني الثالث نموذجًا

02-04-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

هنري زغيب

جامعة الدول العربية (أ ف ب).

عن #جبران تويني المؤَسس، هذه الفقْرة: “قادةُ الدول العربية المجتمعون اليوم في #القاهرة للتوقيع على معاهدة إِنشاء #الجامعة العربية هُم، في الوقت ذاته وفي معاهدتهم هذه، يستذكرون فضلَ أَمين الريحاني” (1945).

ويوم زار غسَّان تويني متحف الريحاني في الفريكة، كتَب على دفتر الزوار: “فيما أَولادُنا يتطلَّعون بكل أَمل إِلى إِنجازاتهم الـمُقْبلة، سيفْخَرون بأَنهم سليلو تراثٍ عظيم، في صدارته إِرثُ أَمين الريحاني” (1999).

أَكتُب “الريحاني” و”متحف الريحاني”، وفي بالي الرجلُ الذي تكرَّس في حياته المهنية لتخليد ذكراه: شقيقُه أَلْبرت (1900 – 1995). تعهَّد مخطوطات الأَمين بعد غيابه، ناشرًا إِياها في “دار الريحاني” التي أَسَّسها، أَو مُعيدًا نشْر ما صدر، وجامعًا ما تركه الأَمين من موادَّ وأَغراض وموجودات ورسائلَ منه وإِليه، نسَّقَها جميعَها محوِّلًا سنة 1953 بيتَه في الفريكة إِلى “متحف أَمين الريحاني”. ولم يكتفِ، بل انضنى في عمل مرجعي يُرشد الباحثين إِلى ما صدر للريحاني وعنه. فقبل عشرين عامًا من ولادة “المستر غوغل” محرِّكَ بحث، كان أَلبرت أَصدر كتابه البيبليوغرافي الضخم “أَين تجد أَمين الريحاني” (1979 في 548 صفحة).

ولأَن أَلْبرت لم يكتفِ، حرصَ أَن ينتقل حفظُ الإِرث إِلى الجيل الريحاني الثاني. سلَّم الوديعةَ بكْرَه أَمين أَلبرت فأَكمل جهد أَبيه ووسَّعه وطوَّره، وجدَّد المتحف (1986) وكتب في عمِّه الكبير مؤَلَّفاتٍ ومقالاتٍ ودراساتٍ وأَبحاثًا أَكاديميةً وأَدبية، وتوَّج عملَه الدؤُوب بإِشرافه الفائق الدقة على صدور “المجموعة العربية الكاملة” لأَمين الريحاني (ستة مجلَّدات كبرى في 6550 صفحة حجمًا موسوعيًّا – “مكتبة لبنان” ناشرون).

مع أَمين أَلْبرت تَوَاصَل الإِرث في الجيل الثاني لا في الفريكة ولبنان وحسْب، بل كذلك في واشنطن مع شقيقتِه مَي وشقيقِه رمزي اللذَين عملا على رفْد شقيقهما أَمين بالشُهرة الأَبهى، بدءًا من مكتبة الكونغرس وهلُمَّ اتساعًا حتى تعدَّدت ترجمات الريحاني إِلى اللغات العالمية.

يكتفي الجيل الثاني؟ لا. ها هو يسلِّم الوديعة إلى الجيل الثالث: أَمين أَوْدَعَها ابنَه خالد، رمزي أَودَعها ابنتَه لورين، سَرمد (نجْل أَلبرت الأَصغر) أَودعَها ابنَه أَرز (“سيدر” بالأَميركاني). وها الوديعةُ أَثمرَت قبل أَيام موقعًا إِلكترونيًّا متجدِّدًا صدر عن “مؤَسسة أَمين الريحاني” يجعل الأَمين عالَميَّ الانتشار، بعناية خالد للعلاقات العامة، لورين لوسائط التواصل الإِلكتروني، وسيدر لأُمور التكنولوجيا.

من هذا الموقع الحديث يطل الريحاني الكبير بكامل هَيبته في 107 مراجع عنه كتبًا ومقالاتٍ ودراساتٍ في لغات كثيرة، وترجمات 68 كتابًا له إِلى 17 لغة، ونصوصًا له معروفة وأُخرى جديدة، ووقفاته المنبرية عربيِّها والإِنكليزية في لبنان والخارج، وأَبواب كثيرة سهلة البلوغ داخلَها. وتُتَوِّج الموقعَ زيارةُ المتحف في الفريكة بِجولة إِلكترونية (لا أُحب كلمة “الافتراضية” لأَنها تعني “الافتراض” أَو “الاحتمال” الذي قد لا يتمّ فيما الجولة تتمُّ في أَبهى مفاصلها).

لا أَكتُب هذا الأَعلاه على أَنه إِرث عائلي، بل لأَنه فلْذةٌ حيَّةٌ متَّصلةُ النبْض بتراث لبنان.

وأَكتبه أَيضًا لأَغْبط كل أَديب أَو فنان على نعمةِ أَن يتولَّى إِرثَه بعدَه فردٌ من أُسرته أَو جيلُها الثاني. فكيف حين يتولَّاه الجيل الثالث، كهذا النموذج الذي يجعل غياب الريحاني حضورًا دائم السُطُوع، يُجيب عن جميع الأَسئلة إِلَّا اثنَين: كيف شجرةُ الكينا العاليةُ الضخمة في بيروت قرب مدخل صرح الشاعر شارل قرم انخلَعت ساعة وفاة الريحاني صديقه الأَقرب الذي كان يحب هالة تلك الشجرة، ولماذا ساعةُ الحائط في صالون بيت الفريكة توقَّفَت عند الواحدة ظُهر الجمعة 13 أَيلول 1940، وهي الساعة التي، في الغرفة المجاورة، توقَّفَ عندها قلْبُ الأَمين.

email@henrizoghaib.com