الجولان بين ماهر الأسد وكيسنجر

الزمان: منتصف سنة 2003.

المكان: العاصمة الأردنية عمّان.

افتتح العميد ماهر الأسد لقاءه السري مع ممثل اسرائيل إيتان بن تسور بعرض وجهة نظر الحكومة السورية ازاء رفضها إبقاء مرتفعات الجولان تحت السيادة الاسرائيلية.

وأجابه إيتان بأن الوضع الآمن الذي تتمتع به القرى الاسرائيلية بعد مرور 46 سنة على ضم المرتفعات، يُعتبر من وجهة نظرنا الضمانة الوحيدة لإسكات المدافع وتثبيت الاستقرار.

وعلق ماهر على دفاع إيتان بالتذكير أن الاحتلال لا يؤمن السلام الدائم، وأن مصادرة الهضبة لا يمكن أن يُسكت المدافع الى الأبد.

وعاد إيتان ليؤكد أن بقاء الجولان تحت السيادة الاسرائيلية ليس قراراً منفرداً، وإنما هو قرار اميركي بامتياز. والدليل على ذلك أن الرئيس جيرالد فورد حرص على دعم الموقف الاسرائيلي، كونه يمثل امتداداً لمصلحة الولايات المتحدة.

بعد مرور 43 سنة على إعلان الرئيس فورد، جاء الرئيس دونالد ترامب ليكرر المعزوفة ذاتها، ويقول: “إن ضم مرتفعات الجولان هو في مصلحة الأمن القومي الاميركي!”.

وكان من الطبيعي أن يثير الاعتراف الاميركي بالسيادة الاسرائيلية على هضبة الجولان حملة واسعة من الانتقاد والاستنكار. وأعلن ممثلو الأمم المتحدة بأن قرار واشنطن سيعقد الوضع الأمني في المنطقة. والسبب أن مجلس الأمن أصدر في 17 كانون الأول (ديسمبر) 1981 قراره رقم (497) الذي يؤكد إلغاء الإجراءات والقوانين الاسرائيلية في الجولان.

على ضوء هذه المستجدات، بحث مجلس الأمن موضوع التمديد لقوة الأمم المتحدة لفك الاشتباك (أندوف). وهي القوة المولجة بحفظ الأمن في منطقة الفصل بين اسرائيل وسوريا.

وصرح أمين عام الجامعة العربية أحمد أبو الغيط بأن التصريحات الاميركية ليست أكثر من تمهيد استفزازي لاعتراف رسمي بسيادة اسرائيلية على الجولان السوري المحتل.

الملفت في هذا الموضوع أن 28 دولة تؤلف الاتحاد الاوروبي أعلنت عن معارضتها لسيادة اسرائيل على هضبة الجولان. ولقد حرصت وزيرة خارجية الاتحاد فيدريكا موغريني على أن يحصل الاتحاد الاوروبي على كامل الأصوات

وترى الخارجية الاسرائيلية أن أهمية الهضبة قد تضاعفت وتعاظمت بسبب التدخل العميق لايران و”حزب الله” في سوريا. وهي تحذر من تجدد إطلاق النار لأن سوريا ستعود لخوض معركة دولية هدفها الحفاظ على هضبة الجولان كأرض سوريا.

من هنا كان المبرر الذي قدمه العميد ماهر الأسد بعد اجتماعه في عمّان بإيتان بن تسور، بأن والده الرئيس حافظ الأسد أوصاه وشقيقه الرئيس بشار ألا يتساهلا في مسألة استرداد مرتفعات الجولان .

بقي السؤال المتعلق بدور الرئيس ترامب في شأن دعوته الى الاعتراف بشرعية احتلال هضبة الجولان… وما إذا كان هناك مسؤول اميركي آخر قد نفذ من قبله الدور ذاته؟

الصحف الاميركية لمحت الى الدور الخفي الذي لعبه مستشار ترامب للشؤون الدولية هنري كيسنجر. وهو من دون شك – وباعتراف الرئيس ريتشارد نيكسون – كان المعرقل الأول لعملية السلام بين سوريا واسرائيل.

في 16 حزيران (يونيو) 1974، زار الرئيس نيكسون دمشق يرافقه وزير خارجيته هنري كيسنجر. وقد استقبلهما الأسد في مكتبه، وراح يشرح لهما استعداده لقبول القرارين 242 و338، شرط أن تنسحب اسرائيل الى حدود ما قبل حزيران 1967.

ولما تطورت المحادثات الايجابية بين الرئيسين، خشي كيسنجر من تأثير السلام على مشروعه، الأمر الذي دفعه الى التدخل بهدف نسف التسوية. وراح يصرخ بصوت مرتفع: سيدي الرئيس. إننا مضطرون الى المغادرة الى اسرائيل. لقد دهمنا الوقت. إن الطائرة تنتظرنا.

عندما حاول نيكسون استئناف الحديث، وجد نفسه يتعرض للمقاطعة من جانب وزير خارجيته، الذي قال له إنه من الأفضل تأجيل البحث في هذه القضية الى حين وصولك الى واشنطن.

ولما وصل الى واشنطن، كان كيسنجر قد نصب له فخاً بواسطة فضيحة “ووترغيت”. وهكذا ضاعت فرصة السلام بين سوريا واسرائيل، مثلما ضاعت فرصة الانسحاب من الجولان!

يُستَدل من مراجعة موقف روسيا من دعوة الرئيس الاميركي للاعتراف بقرار ضم الجولان الى اسرائيل أن الكرملين يعارض بشدة افتعال أزمة جديدة في الشرق الأوسط. ولكي تخفف من حدة القرار الاميركي، أعلنت موسكو أنه مجرد دعوة غير ملزمة وغير شرعية. ثم أكدت تمسكها بقرار مجلس الأمن رقم (497) الصادر في 17 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1981.

ويبدو أن صحيفة النظام السوري (الوطن) كانت متحفظة في نشر الموقف الروسي المريب. وكتبت في افتتاحيتها تقول إن الرئيس فلاديمير بوتين تحاشى إثارة هذا الموضوع مع صديقه بنيامين نتنياهو في حين انتقد قرار ترامب أثناء استقباله الرئيس اللبناني ميشال عون، ووصف موقفه بالمتهور الذي يهدد استقرار الشرق الأوسط.

سبب إضافي آخر زاد من شكوك النظام السوري نحو الدور الروسي، تَمَثل في التصريح الذي أدلى به وزير خارجية روسيا سيرجي لافروف آخر سنة 2018، أي التصريح الذي تحدث فيه عن حاجة اسرائيل الى موافقة الدول الكبرى في مجلس الأمن بمن فيها روسيا.

وفسرت جريدة “اسرائيل اليوم” هذا الشرط بأنه نوع من الابتزاز بغرض إرغام اسرائيل على تقديم تنازلات لروسيا كثمن لاستئناف نشاطها الحربي في الأجواء السورية.

وعلقت الجريدة على هذا الشرط بتذكير لافروف بأن بلاده ضمّت شبه الجزيرة الاوكرانية (القرم) من دون أن تطلب موافقة مجلس الأمن!

بقي أن نذكر أن حرب 1967 وسّعت حدود اسرائيل بحيث وصلت هيمنتها الى مرتفعات الجولان. وقد ظهرت بين المستوطنين الجدد حركتان صهيونيتان ساهم في إطلاقهما مروم غولان وأفراد عائلته. لهذا السبب لقبه مناحيم بيغن بـ”السنونو” كونه يمثل أول طائر يبشر بقدوم “الربيع الاسرائيلي”!

صحافي لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*