الجهل المقدس أو الجَهَالة

 

 

واسيني الأعرج
القدس العربي
21112018

لنتفق على المصطلح أولاً تفادياً للتوهان. الكثيرون يظنونه للمفكر الكبير محمد آركون، لكنه في الحقيقة لصاحبه أوليفييه روا الذي استعمله في كتابه الذي خصصه للظاهرة الدينية بلا ثقافة، وكان عنوانه:
الجهل المقدس أو زمن الديانة بلا ثقافة
La Sainte ignorance ou le temps de la religion sans culture
ونشر في 2012 في دار لوسوي. حلل فيه كيف تنتج البشرية سلسلة من المعارف الإنسانية، التي هي بشرية، وتلصقها بالنص المقدس فتصبح امتداداً للدين، بل وأقوى منه بوصفها ديناً؟ وكأنها هي أيضاً نص مقدس يجب أن يسير على هديه البشر، وينسى الناس والأتباع العميان أنه مجرد اجتهاد لا أكثر. طبق لوروا مفاهيمه على الفضاءين المسيحي والإسلامي مبيناً الخراب الذي أحدثته هذه الأوهام في جسد الأديان السماوية.
مشكلة الأديان هي أنها انفصلت عن ثقافة عصرها، وتجد صعوبات جمة في اختيار ثقافات العصر، لتدخل في حالة شيزوفرنيا حقيقية، بين ما تريده وما هو كائن، والخوف من الحداثة ومنجزات العصر. وهل يمكننا تخيل دين معاصر بدون ثقافة تسنده ما دام الإنسان هو المعني بالأديان بالدرجة الأولى؟ الجميل في آركون الذي استثمر المفهوم كثيراً، لم يدّع يوماً أن المصطلح له، ففي كل لقاءاته كان يعترف دائماً بصاحب المصطلح، لكن ذلك لم يمنعه من إدخال المصطلح في عمق الأبستمولوجيا للحفر في حواف الأديان والدغماء التي خلقها البشر وركنوا إليها، كأنها شبيه للدين. استعمل المصطلح لتفسير وفهم ظواهر التفاسير القرآنية أو ردود فعل رجال الدين من النص المقدس، وجعل المجتمع لاحقاً شيئاً مثبتاً، نصوصاً، أصحابها معصومون من كل خطأ، وهي في النهاية اجتهادات فردية استعملت وسائلها المتاحة لفرض قراءتها.

لا تفكير للأفراد من أجل تحديد مصائرهم، التفكير موكول لمالك مصدر المعرفة! وحق التأويل هو المفتي دينياً وسياسياً.

وقع المجتمع الإسلامي في عمومه تحت ظلالة شيء قدسه وهو ليس كذلك. تلك قداسة الجهالة. بل دخل في مساحة الشرك دون أن يدري. وكم من ضحية كان سببها الجهالة المقدسة التي كسرت كل إمكانية للتنور والتطور، لأن الجهالة كانت دائماً هي المحدد لكل شيء. قتل الآلاف، وربما الملايين بسبب فتوى من مصدر من مصادر الجهالة، فتحولت إلى قرار ديني نفذ بكل العمى والجهل المصاحبين له، على الرغم من أن الفتاوى هي أيضاً اجتهادات أفراد وليست قرارات دينية، مهما ارتكزت على النص المقدس. وتكون أحياناً ملغمة من الداخل تحت سيطرة التجاذبات الإيديولوجية والسياسية المحلية والجهوية والدولية، لتبرير الجريمة. في الجزائر وحدها، سقط في الحرب الأهلية أكثر من 200 ألف ضحية، وفي العراق أكثر من مليون، وفي سوريا، واليمن، وليبيا، والسودان، ومصر، وغيرها.
لا يوجد شيء أكثر فتكاً بالمجتمعات من الجهالة أو الجهل المقدس، تلك القنبلة الموقوتة التي ظلت تنمو زمناً طويلاً في الجسد العربي وفجرت فيه لإنهاكه في حروب السنوات الأخيرة، وستأتي عليه إذا ما بقيت وتيرة التطور على ما هي عليه اليوم. إن الديني والعرقي والإثني والطائفي واللغوي مع تغييب كلي لثقافة وازنة في وعي الناس، ستكون هي المتحكم في الحروب المقبلة إذا لم توجد حلول حقيقية للمعضلات الكبرى التي تخترق الجسد العربي، وستكون هي المتحكم الأساسي في المجموعات الكبيرة أو الصغيرة ضحية الجهالة.
لا تفكير للأفراد من أجل تحديد مصائرهم، التفكير موكول لمالك مصدر المعرفة! وحق التأويل هو المفتي دينياً وسياسياً.
في العالم العربي يتداخل المفتيان الديني والسياسي، فهما يمتلكان القاعدة الجماهيرية نفسها، وكذلك المنابر الموصلة للخطاب، كالصحف والقنوات والمساجد ومقرات الأحزاب التي منها يعلنون عن فتاواهم التي تسلّم وفق منطق الجهالة، أي بلا سجال أو نقاش. وللخروج من دائرة الإذلال المعرفي غير المعترف بالطاقة البشرية وقوتها، يحتاج العربي إلى تدمير الجهالة المقدسة لندخل بعدها في المعرفة التي تخصنا وتخص عصرنا حتى نستطيع أن نجيب عن الأسئلة التي تشغلنا اليوم. بهذا يمكن جر المصطلح خارج المعتقد الديني وإدخاله في السياقات المعرفية الحالية التي تمس التاريخ والمجتمع وبسيكولوجيا الإنسان.
الجهالة المقدسة هي كل ما يضفي طابع الديمومة والخلود والإطلاقية على معرفة هي في الجوهر إنسانية لا أكثر، لكن الدغماء والثبات جعلا من حقيقة مفترضة حقيقة مطلقة ومقدسة، أي لا يمكن زعزعتها أو إعادة النظر فيها، أو حتى تطوير رؤاها بالمعنى الثقافي. وأي محاولة لتغييرها حتى بالإثباتات، تعرض صاحبها إلى مخاطر جمة قد تمس حياته نفسها. المشكلة هي أن الجهالة التي هي درجة عليا في سلم الجهل، وليست قسراً على محدودي الثقافة والتكوين العلمي والجامعي، تغلف كل خطاباتها السياسية بالغلاف الديني، فيحل العمى بدل العقل، والظلمة بدل النور، ويفسر الدين والسياسة وكل النشاطات البشرية بخلفية مفرغة من أي معرفة وكل علم، مكتفية بالخطابات التي ترسخت فيها وأصبحت في صف التقديس القاتل. لهذا، كلما عم التقديس خارج ثقافة العصر المساعدة على فهم التحولات المجتمعية والحضارية، زاد العمى والبؤس الثقافي، وتحول إلى جهل مقدس. وهذا بالضبط ما يريده أعداء العرب، الطامعون في أموالهم وخيراتهم، لتحويلهم إلى مجرد كتل بشرية بلا أمل ولا تاريخ، إذ يسرق منهم اليوم كل شيء، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فبعد أقل من نصف قرن، سيتحولون إلى حطب يابس يسخن عليه الآخرون القادمون لنهب ما بقي حياً وواقفاً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*