الرئيسية / home slide / “الجمّيزة لم تعد موجودة”… مهندسون يتخوّفون من الأسوأ (صور)

“الجمّيزة لم تعد موجودة”… مهندسون يتخوّفون من الأسوأ (صور)

مبنى في الجمّيزة كما رسمته مهى نصرالله.

يتفادى مَن يحبّ رؤية أسى الحبيب ودوران الدنيا في أحواله. ذلك يترك لوعة كئيبة، ويلطع كملح في جرح. كانت الجمّيزة قبل زلزال الرابع من آب حيّزاً بيروتياً يردّ الروح لأيامنا المسلوبة، فيها اللقاء والنقاش والصخب والسهر في الأزقّة المتلاصقة كعناق، والشوارع المُحافِظة على شيء من الهوية. ركام، هي اليوم، أحجار على الأرض، خراب مُعذِّب. في كلّ زاوية زعل شفاؤه مؤجّل. المدن، كبيروت، حين لا تكون بخير، يسقم إنسانها ويتغرّب في وطنه. مهندسون آلمتهم الجمّيزة، حدّ أنّ أحدهم، وهو بربر كلّاب، لم يستطع النزول إلى المكان وتفحُّص احتضاره. أراده كما عرفه دائماً في الذاكرة: حيٌّ، فريد، يداعب أمزجة الحياة. آخرون، كميشال عقل ومروى غزيري ومهى نصرالله، عاينوا المكان المنكوب، ويتخوّفون من استحالة عودته كالسابق. “بيروت ضحية كبرى”، تتحسّر غزيري. “إننا ذاهبون إلى الأسوأ”، تقول مهى نصرالله، وهي تعلن موت الأمل بوجود الطبقة الحاكمة القاتلة، مُدمِّرة المدينة وماحية ذاكرتها. 

في ذاكرة المهندس ميشال عقل صور عن بيروت ما بعد الحرب، حين عرَّضتها مدافع الميليشيات لمحاولة محو المعْلَم. يعدّد الشوارع، شارعاً شارعاً، من ساحة البرج إلى بشارة الخوري وطريق الشام. “لم تحافظ إعادة الإعمار على الهوية البيروتية آنذاك، فلا الساحات العامة بقيت كما هي، ولا المقاهي الشعبية، لتأتي فاجعة المرفأ وتنقضَّ على المعالم”. تؤلمه مَشاهد برج حمّود، الكارنتينا، الجمّيزة ومداخل رأس بيروت. “منطقة بأكملها على الأرض. هذا كنزنا التراثيّ وإرث المدينة. اليوم، تختفي الأبنية، وتتلاشى الأزقّة التراثية. هذا يفوق الوصف”.

(نبيل إسماعيل).

يستند إلى تقديرات نقابة المهندسين، ليشير إلى نحو 45 مبنى مهدّداً بالانهيار ومعرّضاً للهدم. بالنسبة إلى عقل، الواقع ليس وردياً، فكيف في النكبات؟ “من الصعوبة أن تعود الأمور كما كانت”، يحسم، بخبرته، مشهدية إعادة إعمار المباني القديمة في الجمّيزة، “وإن كان التدخّل الفنّي والهندسي والمعماري جيّداً. هذه تجربة لا تقتصر على لبنان، ففي باريس أيضاً، إن تضرّرت معالم، قد لا تعود كما كانت. القديم غيره الجديد والمُستحدث والمُرقّع. القناطر غيرها، القراميد غيرها ولا مفرّ من الخسارة”.

(نبيل إسماعيل).

إلامَ نفتقد؟ “إلى خطّة قابلة للتطبيق للمحافظة على تراث بيروت”، فحتّى الجردة المتعلّقة بالأبنية القديمة المُحافَظ عليها، تتراجع. “كانت نحو 400 بناء، فتقلّصت حدّ النصف”. في رأيه، تدخُّل المجتمع المدني و”النقابة تنتفض” مع نقابة المهندسين، وجد وعياً ضرورياً حيال مسألة التراث، على اعتبار أنّه ليس فحسب عمراناً ورثناه، بل أيضاً إنتاج الطبيعة والخليط الثقافي من فنون وعادات، فتتعاظم القيمة الجمالية للتراث مع قيمته الاقتصادية في دورة الحياة.

بربر كلّاب مهندس منذ ما يزيد على خمسة عقود، يعرف بيروت تماماً، بوجوهها وتفاصيلها، منذ ما قبل الاقتتال الداخلي وما بعده، حتى اليوم. لم يزر الجمّيزة بعد. ما شاهده تلفزيونياً وقرأ عنه يكفي ليتألّم كثيراً. كان مكتبه هناك؛ عاش ازدهار المنطقة وعزّها. “لم أستطع معاينة المكان. كأنّ شيئاً في داخلي أبى خدش الذاكرة. أردتُه كما عرفته، من دون خراب. ما جرى في رأيي مقصود ومخيف وخطير. يريدون طمس الحضارة اللبنانية. حين تنمحي الذاكرة، لا تعود. ماذا سيبقى للجيل الجديد من شارع الجمّيزة؟ ماذا سيتذكّرون من الشوارع ذات الطابع التراثيّ؟ المصاب يجعل الناس يرضون بكلّ شيء شرط البقاء أحياء. من الصعب أن يستفيق المرء من هول الكارثة. ضريبة الشفاء باهظة”.

(نبيل إسماعيل).

(نبيل إسماعيل).

كلّاب محنّك في فهم المنظومة وكيفية تعاملها مع الحالات المستجدّة. “ماذا سيُصلحون وكيف؟ الأبنية التراثية اختفت. والمسار طويل ما بين أخذ ورقة من هنا وإحضارها من هناك، وانتظار موافقة جهة ووعود جهة أخرى”. مؤلم التشاؤم على أنقاض المدن. “لستُ متشائماً، هذا الواقع. لم يعد ثمة شيء اسمه الجمّيزة. أنا اختصاصيّ في الترميم، رمّمتُ سابقاً الجميّزة والأشرفية وشوارع خارج العاصمة. أستبعد بعد مأساة بيروت وجود خطوات عملية وجادّة لإعادة المشهد التراثيّ تماماً كما كان. النيّات والأفكار، لا تكفي. المهم ما يمكن تنفيذه على الأرض. اعتدنا على التمييع في لبنان. لا ضوابط تؤكّد اتّخاذ الأمور مساراً واضحاً وحاسماً. تشاؤمي مبنيّ على خبرات سابقة. مع الوقت، سنمرّ في الشارع المنكوب ونكتفي بالتفرّج على الحزن. البعض قد ينسى، فتصبح المنطقة بلا روح. لا أثر فيها لذاكرة ولا لعبرة. منطقة سُلبت منها أنفاسها الأخيرة، فباتت مجرّد حجر”.

“هبّطوا المدينة عن بكرة أبيها”، تلتقط المهندسة مهى نصرالله أنفاسها. تتنهّد بغصّة. اعتادت رسم مبانٍ مهجورة أو مهدّدة بالانهيار في شارع الحمراء، وحين سألها أصدقاؤها لماذا لم ترسم من مباني الجمّيزة سوى ثلاثة فقط، أجابت: “لدينا وقت”. لم تترك فاجعة المرفأ مجالاً للوقت، حلَّت فزلزلت. يؤلمها دمار ذاكرة المدينة ولا تتأمّل خيراً بوجود الطبقة السياسية الحاكمة اليوم. “لا بل، إنّنا ذاهبون إلى الأسوأ”. لا تخفي وجود النيّات الطيّبة والهمم العالية، لكنّ مسألة إعادة الإعمار مع الإبقاء على الملامح القديمة تتطلّب وقتاً. “من الصعب جداً أن تعود بيوت الجمّيزة كما كانت. الأمر يتطلّب دقّة وهندسة فنّية عريقة. الأنكى، وسط الخراب، عروض شراء المباني التي هبّت فجأة بعد الكارثة، فتتساءل: “هل يريدون شراء البيوت لإعادة بنائها وفق الشروط التراثية والثقافية؟ بالطبع لا”. ذاكرتنا لن تعنيهم مطلقاً.

مبنى في الجمّيزة لمهى نصرالله.

مبنى في الجمّيزة لمهى نصرالله.

المبنى بعد الخراب…

مبنى في الجمّيزة لمهى نصرالله.

تشارك المهندسة مروى غزيري في صفوف الثورة من أجل تغيير مُحتَمل. تعنيها التفاصيل، الأحجار، القراميد. “كلّها تهدّمت. بيروت ضحية كبرى”. تشعر برغبة في البكاء وهي تراقب كيف كانت الجمّيزة وكيف أصبحت، وتتساءل: “كيف أعطي للناس أملاً بأنّ ما تهدّم سيعود؟”. تعلم الأرض وناسها، ومنذ تشرين وهي تحاول مواصلة الحفر في الصخر. أقصى ما قد سيطرأ على المباني المهشّمة، في رأيها، هو تضميد بعض الفجوات بالزجاج، وجمْعُ المشهد القديم بالمشهد الجديد، إذ تستحيل عودة القديم إلى حاله. “لن نقبل أن تُمحى الفاجعة من الذاكرة، وينسى اللبنانيون أنّ الإهمال كان السبب”. تهدّئ من غضبها فكرة أنّ المجلس الأعلى للتنظيم المدنيّ وضع يده على المنطقة، لرفض إعطاء رخص الضمّ والفرز، وتتأمّل خيراً، مع تخوّفها من صفقات تحت الطاولة. أكثر ما يؤلم مروى غزيري هي محاولات بناء المباني الشاهقة وسط المباني التراثية في بيروت، المكوَّنة، حداً أقصى، من ثلاث طبقات. ترى في المشهد دساً لنيات خبيثة تشاء طمس هوية الشوارع ذات الطابع التراثيّ. “آخ شو بدي إحكي؟”. تحشى إبادة جنس العمران التراثيّ، خصوصاً أنّ مساحات تشييد البناء باتت ضئيلة جداً في بيروت، والتخوّف كبير من استغلال المأساة لتمرير أشكال هندسية تقتل ما تبقّى من روح المدينة.

الشباب المُندفع للمُساعدة، يكبّر القلب، وهو العزاء الوحيد، تقول بحسرة مَن عاين الأرض منذ اليوم التالي للانفجار، ولمح غياب الأجهزة المعنية. تنتقد رمي أحجار تراثية عشوائياً مع أحجار عادية، وعدم التمييز بين النقوش وما يُعوَّض بسهولة. “كان على المنطقة أن تُطوَّق، وتقوم الأجهزة بدورها في ضبط حركة الشارع. لكنّها غابت. الناس غطّوا الفارق وعرّضوا أنفسهم للخطر حين دخلوا المباني المهدّدة لجرف الخراب. هم بيروت والأمل بالنهوض، برغم كلّ شيء”.

اقرأ أيضاً: انفجار المرفأ بعد 48 ساعة… كيف نجونا وقد تدمّر كلّ شيء؟

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima