الرئيسية / home slide / الجامعة الأمیركیة في بیروت… قضیتنا المركزیة

الجامعة الأمیركیة في بیروت… قضیتنا المركزیة

الجامعة الأمیركیة في بیروت (عن صفحة الجامعة على “فايسبوك”).

لعل ردّ فعل الناس على الإشاعة التي روج لها البعض حول إقفال الجامعة الأمیركیة في بیروت خیر دلیل على المكانة التي تحتلها هذه المؤسسة المتمیزة في وجدان وذاكرة خریجیها بشكل خاص والعالم بشكل عام.

رسائل عدة وصلتني مستنكرة تلك الشائعة ذیلت بعبارات مؤثرة (ترفض تصديق الخبر أو حتى التلميح اليه) بدل (مثل “هل الخبر صحیح… وقف قلبي عندما سمعت الخبر” أو ” أكید الخبر مش مزبوط” .)

الشائعة تزامنت مع رسالة لرئیس الجامعة فضلو خوري كان أرسلها إلى الجسم الجامعي وحذر فیها من الظروف الاستثنائیة التي يمر بها لبنان والعالم معلناً عن نیة الجامعة اتخاذ قرارت مصیریة من شأنها المحافظة على المستوى وتقطیع المرحلة بأقل خسائر ممكنة.

رسالة خوري القاسیة خلت من الكلام المعسول التي اعتاد الناس سماعه في مثل هذه الظروف. ولكن رغم قساوتها، جاءت لتؤكد أن وضع الجامعة الدقیق هو نتاج النظام السیاسي القائم في لبنان وغیاب الضمیر والمسؤولیة لدى الطبقة الحاكمة التي افضت بلبنان دولة مارقة تُنافس أمثالها على القعر.

رد فعل بعض الأشخاص على دق الأمیركیة ناقوس الخطر جاء فكاهياً سمجاً يهزأ من طلاب الجامعة الأمیركیة “المحظوظين” الذين “بات علیهم الانتقال إلى الجامعة اللبنانیة حیث لا بوابات أو أبنیة فخمة بل مدخل یواجه حي السلم أو الشیاح”.. حسب قولهم.

إن الخطر الذي وصل إلى عتبة الجامعة الأمیركیة هو خطر وجودي یهدد القطاع التعلیمي بما فیه التعلیم الجامعي الرسمي، أحد أول ضحایا النظام السیاسي الزبائني. فالنظام اللبناني الفاسد استطاع أن یحول أهم قطاع في لبنان إلى جسم موبوء، بل دكاكین تدعي التعلیم وهي في الحقیقیة مشاریع ربحیة أو سیاسیة تُخّرج طبقة من حاملي الشهادات ولكن من دون القدرة على التنافس في سوق العمل المحلي أو الإقلیمي.

صحة القطاع الجامعي من صحة الجامعة الأمیركیة وتصویرها من البعض بأنها جزیرة عائمة ونادٍ للأثریاء هو افتراء إن لم نقل قلة أخلاق. لا شك بأن الجامعات الخاصة أصبحت تشكل تحدٍ مادي للطبقة المتوسطة والفقیرة التي افقرتها سیاسات السلطة، ولكن تبقى تلك

الواحات خزاناً للفكر التعددي في زمن أصبحت فیه التعددیة والاختلاف بالرأي وصمة عار وتهمة بالنسبة لتجار الهیكل.

فمن تناقل النكتة السمجة یجهل بأن الرئیس الراحل الیاس سركیس كان قد طلب من عمداء كلیة الطب في الجامعة الأمیركیة وجامعة القدیس یوسف أن یشاركوا في لجنة صیاغة المقررات العلمیة لكلیة الطب في الجامعة اللبنانیة والتي تأسست سنة 1983 و لا تزال تخرج خیرة الاطباء الذین یجابهون جائحة الكورونا في معظم المستشفیات الحكومیة. وأن كلیات الجامعات الخاصة لیست في حالة تنافس فعلي مع الجامعة اللبنانیة وبأن طلاب الجامعة اللبنانیة المتمیزین ینتقلون الى الجامعات الخاصة لمتابعة شهادات الدراسات العلیا خاصة في الحقول العلمیة و هم بمجملهم من المتفوقین، مما یؤكد أن المشكلة لیست مادیة بل متعلقة بالجو الطائفي والفاسد الذي یمیز معظم فروع الجامعة الوطنیة.

المسألة الأساسية لیست بأن تنجو الجامعة الأمیركیة بنفسها من الأزمة الحالیة، بل بأن یعي اللبنانيون، و بسرعة، أن الجامعة الأمیركیة والمئة والأربع والخمسین عاماً التي في جعبتها هما من الثروات الحقیقیة للبنان والمنطقة، و النتاج العلمي والأدبي للجامعة هو في عصب حیاتهم الیومیة من دون حتى أن يدركوا ذلك. یبقى على الثورة اللبنانیة ضد هذا النظام السیاسي المجرم، و الذي بحسب البعض قد تكون قد انتهت،

أن تدافع عن المؤسسات التي تستحق الإنقاذ وعلى رأسها الجامعة الأمیركیة لتكون من المدامیك الأساسیة لبناء وطن یحمي مواطنیه و یمجد العدالة و الحق. المطلوب بناء مؤسسات تشبه الجامعة الأمیركیة بدل محاولة جعل الجامعة على شاكلة الدولة اللبنانیة أو ما تبقى منها.

الجامعة الأمیركیة في بیروت لیست مُنزهة عن الخطأ بل هناك العدید من المسائل الأكادیمیة والإداریة التي تقتضي رعایة و اهتماماً أفضل من قبل إدارتها، بغض النظر عن الأحداث الأخیرة. لكن عظمة تلك الواحة العلمیة المتربعة على أعلى التل في رأس بیروت تكمن بأنها قادرة على حمایة الطامحین إلى حیاة أفضل من النظام الفاسد الذي أوصل بلبنان الى الحضیض، وعلينا الاستبسال في الدفاع عنها كأحد القضایا المركزیة في عالمنا المتغیر.

وفي حال مرَّ ببال البعض- لا سیما تجار القضایا والخطابات الخشبیة- أن ینعي الجامعة الأمیركیة فلیتذكر أن هذه الجامعة كما هو حال الجامعات العریقة الأخرى هي التي خرّجت أبناءهم ومنحتهم حیاة أفضل بعیداً عن طمعهم وظلامیة ثقافتهم الاقصائیة.

ستبقى الجامعة الأمیركیة منارة عظيمة في هذا الشرق الظالم، وسیستمر أعداؤها بالنفاق والمطالبة بتدمیرها كما هو حال ادعاءاتهم الكاذبة بتحریر القدس وفلسطین.