الجالية المخفيّة: دراويش وملوك ألبان في شوارع القاهرة والإسكندرية

 محمد تركي الربيعو 
القدس العربي
21122019

عرفت المكتبة التاريخية المصرية في السنوات الأخيرة، عدداً من الكتب التي حاولت البحث في تاريخ الجاليات الأجنبية، التي عاشت ولعبت دوراً اقتصادياً وسياسياً، وحتى عمرانياً في مدن مثل القاهرة أو الإسكندرية. ولعل ما ميّز هذه الكتب أنها لم تقتصر في حفرياتها على الكشف عن دور أفراد غير أصليين، إن صح التعبير، في الفضاء العام للمدن المصرية، بل استطاعت الكشف عن تاريخ اجتماعي آخر لمصر، وبالأخص في القرنين الأخيرين، تاريخ بدا أكثر كوزموبوليتانية مقارنة بالتواريخ الوطنية اللاحقة؛ إذ تبدو المدن المصرية، وحتى العربية، من خلال هذه اليوميات مدناً أكثر حيوية، وربما الأهم من ذلك أكثر انفتاحاً على الآخر الغربي، الذي سيتحول لاحقاً إلى آخر «استعماري» أو «إثني»، مع قدوم الكتابات التاريخية الوطنية، وهذا ما يبيّنه مثلاً كتاب «الكيلومتر الذهبي» للمؤرخ دانيال فيشمان، الذي تطرّق فيه لدور «الطلاينة المصريين» في مدينة القاهرة، قبل قدوم حرب 1956، التي فرضت على قسم كبير من الأجانب مغادرة البلاد، كما نعثر على كتاب صلاح أحمد هريدي عن «الجاليات في مدينة الإسكندرية خلال العصر العثماني». ولعل من الكتب المهمة والجديدة في هذا السياق أيضاً، كتاب المؤرخ الكوسوفي السوري محمد الارناؤوط «الجالية المخفيّة.. فصول من تاريخ الألبان في مصر»، الصادر عن دار الشروق، إذ يدعونا مؤلّفه للاطّلاع على دور الألبان في حياة مصر خلال القرون الأخيرة.
يكشف لنا أرناؤوط في عتبة كتابه أنه رغم أهمية الكتب سالفة الذكر، إلا أنها قد أغفلت ذكر دور الجالية الألبانية في سياق التاريخ، بل هناك ما يشبه النسيان لهذا الدور، على الرغم من الدور الذي قدّمه ألبان كثر، وبالأخص في القرن التاسع عشر، مع ولادة دولة الضابط الألباني محمد علي في مصر، ولذلك سيسعى في كتابه إلى تعريفنا بتاريخ ونشاط الألبان، وهو نشاط لم يكن مقتصراً على الفترة العثمانية، بل يعود لفترة المماليك الذين حكموا مصر، قبل أن يتضخّم مع قدوم العثمانيين ولاحقاً مع سلالة محمد علي.


في هذا الكتاب، سرعان ما سيدرك السائر في دروب الألبان في القاهرة، أنها لا تعكس حكاية فئة معينة، وإنما تكشف عن تاريخ اجتماعي وسياسي آخر، وعن محطات وقراءات جديدة مغايرة للصور السائدة، بالإضافة إلى عدم خلو كتب الأرناؤوط، كما اعتدنا، من مصادر ووثائق جديدة، وسنرى ذلك مثلاً مع كشفه عن مذكرات أحمد زوغو آخر ملوك ألبانيا ويومياته في القاهرة، وأيضاً الوثائق التي تتحدث عن وجود خطط وجهود لتولية الملك فؤاد ملكاً على ألبانيا، قبل أن يحكم مصر بسنوات، ولعل الأهم ربما هو أنه يكشف عن تاريخ آخر لقدوم محمد علي للسلطة، إذ غالباً ما حاولت الدراسات رسم صورة عن هذا الباشا، بوصفه جاء كأمر طبيعي وقدر، في حين نجد أن هذه الرحلة لم تكن باليسيرة، وأن خلافاً نشب بين الألبان أو الأرناؤوطيين، وهو ما عمل الارناؤوط على توثيقه بشكل جيد، ليس من خلال ما ذكره الجبرتي فحسب، بل أيضاً عبر عدد من الشعراء الألبان الذين عاشوا في مصر ودوّنوا المعارك التي دارت بين محمد علي وبعض الأرناؤوطيين على الحكم في مدينة القاهرة. يحاول الارناؤوط في الفصل الأول لكتابه تقديم قراءة جديدة لوجود الألبان في مصر، من خلال إعادة قراءته لكتاب «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» لابن تغري بردي. إذ تكشف سيرة حياة هذا المؤرخ 1409/ 1470 عن صلات قويّة له مع أركان الحكم في الدولة المملوكية، ما يمكن اعتباره من المطلعين عن قرب على أصول وأحوال الكثير من كبار المماليك والسلاطين من أصل أرناؤوطي، الذين حكموا مصر، مثل السلطان خشقدم، الذي حكم باسم الملك الظاهر في عام 1461، ما أتاح لارناؤوطي آخر (تمربغا) بالصعود بشكل سريع (قدم للقاهرة وزاد السلطان في تعظيمه وأجلسه في موقع أعلى من جماعات كثيرة من أمراء الألوف الأعيان، ثم أنعم عليه بإمرة مئة وتقدمة ألف)، ويلاحظ الأرناؤوط أن العلاقة القوية بين ابن تغري بردي وتمربغا تستند إلى أرضية إثنية، وهذا ما انعكس على طريقة مدحه له، حتى فضّله على السلطان صلاح الدين نفسه.

مع قدوم سنة 1798 التي يسميها الجبرتي (سنة الملاحم العزيمة والحوادث الجسيمة) المتعلقة بالحملة الفرنسية على مصر، تبرز لديه بشكل لافت بعض المعطيات التي تتعلق بالحضور الألباني في مصر.

وبالانتقال الى الفترة العثمانية، يشير الأرناؤوط إلى أنه بعد دخول العثمانيين لألبانيا، وتطبيق نظام الدفشرمة في البلقان، شكّل الألبان قوة مهمة في الجيش الإنكشاري من القاعدة وحتى القيادة، وقد شارك قسم كبير منهم في معركة مرج دابق، التي دارت بين العثمانيين والمماليك، قبل أن يتولّى بعضهم لاحقاً ولاية مصر. وكان من أوائل هؤلاء الوالي سليمان باشا، الذي وصلتنا معلومات قيمة عنه من خلال المؤرخ قطب الدين النهروالي، الذي توفي 1583؛ فقد بنى أولاً في عام 1528 جامعاً في الجهة الشمالية الشرقية لقلعة القاهرة، لا يزال إلى اليوم بحالة جيدة ويحمل اسمه؛ جامع سليمان باشا. ويمثِّل هذا الجامع قيمة تاريخية كونه أول جامع في مصر بُنِي على الطراز العثماني، مع وجود بعض العناصر المملوكية. أما الوالي الألباني الثاني الذي خدم في مصر كان محمد باشا دوكاجين، ورغم أن هذا الوالي عُرِف بدوره الكبير في بناء مجموعة من الأسواق والخانات في حلب، لكن المؤرخ المصري ابن الوكيل القريب من تلك الفترة، يعطي لنا صورة مختلفة عنه خلال ولايته على مصر 1554 1555، إذ يذكر عنه «كان الغالب عليه حب اللهو والخروج إلى المنتزهات، حتى أنه كان يركب المراكب، ويمرّ في خليج القاهرة أمام النيل، وبيده طنبور يضرب عليه ويفتخر باللغة التركية ولا يبالي بمن عذر أو لام».

الألبان في تراجم الجبرتي

يكمل الأرناؤوط حديثه عن وجود الألبان في القرون العثمانية اللاحقة، ولكن هذه المرة من خلال كتاب الجبرتي المعروف «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»، ويذكر أن سبب اختياره البحث في هذا الكتاب ناجم عن أسلوب الجبرتي الفريد في كتابة التاريخ، وتسجيل الأحداث، فخلافاً للتاريخ الحولي التقليدي في تسجيل الأحداث، حاول الجبرتي في كتابه، أن يبحث في التاريخ بوصفه معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائعهم وأنسابهم ووفياتهم.
مع قدوم سنة 1798 التي يسميها الجبرتي (سنة الملاحم العزيمة والحوادث الجسيمة) المتعلقة بالحملة الفرنسية على مصر، تبرز لديه بشكل لافت بعض المعطيات التي تتعلق بالحضور الألباني في مصر. فبعد احتلال الفرنسيين لمصر، أرسل السلطان العثماني حملة لاستردادها، وهنا يكشف لنا الجبرتي من قلب الأحداث «كيف أنه حضر نحو خمسمئة من عسكر الأرناؤوط..فلما اقتربوا من مصر، عارضهم عسكر الفرنساوية الواقفة على التلول الخارجية، فحاموا ودافعوا عن أنفسهم منهم، ودخلوا مصر «وقد أثار دخولهم الحماس الكبير، إذ خرج الناس لقدومهم، وضجّت القلعة لحضورهم»، وعلى الرغم من الحماس الظاهر على سكان القاهرة، يلاحظ الأرناؤوط، من خلال تدوين الجبرتي للأحداث، أن الأخير بدا حذراً وقلقاً من هذا الوضع الجديد، وبالأخص دخول الجنود الأرناؤوط، وما نجم عنه بالنسبة إلى سكان القاهرة، الذي هو واحد منهم، ويمثّل مصالحهم ومشاعرهم. فمثلاً يذكر أن أهل الأسواق أبدوا امتعاضهم بعد أن «كثر الخبز واللحم والسمن، وتواجدت البضائع وانحلّت الأسعار وكثرت الفاكهة»، التي «تعاطى بيع غالبها الأتراك والأرناؤوط. فقد كان هؤلاء يتلقّون من يجلبها من الفلاحين بالبحر والبر، ويشترونها منهم بالأسعار الرخيصة ويبيعونها على أهل المدينة وبولاق بأعلى الأثمان».
ويبدو أن هذه السيطرة للجنود الألبان على القاهرة، تطوّرت مع ما عُرِف بـ»هبّة الأرنؤوط» في إبريل/نيسان 1803، حين ذهبت جماعة منهم إلى الوالي محمد باشا للمطالبة برواتبهم المتأخرة، فحوّلهم إلى محمد علي سرششمة، لينجم عنها أولى المناوشات. وقد حسم الأمر تدخُّل طاهر باشا مع قواته، مع قصفهم لبيت الوالي ما أرغمه على الهروب من القاهرة، ومع هذا الانقلاب في مركز السلطة، أخذ الفرز يبرز بوضوح داخل القوات العسكرية العثمانية، بين الارناؤوط من ناحية وبقية الإنكشارية من ناحية أخرى. ومن الأمور الطريفة التي يذكرها الجبرتي وصفَه لشخصية طاهر باشا، وهو وصف يبدو مغايراً ربما للصور التي عادةً ما رُسِمت في مخيلتنا عن المقاتل البلقاني أو الألباني (طويل القامة وتميل سحنته للبياض والشقار) فقد ذكر أنه «كان أسمر اللون، نحيف البدن، أسود اللحية، قليل الكلام بالتركي، فضلاً عن العربي، وتغلب عليه لغته الأرنؤوطية، وفيه هوس وانسلاب للمسلوبين والمجاذيب والدراويش». كما يخبرنا الجبرتي عن تطوّر مهم في عام 1804 تمثّل في نزول عسكر الأرناؤوط من القلعة، وكانوا نحو الأربعمئة، إلى بولاق وسكنوا فيها بعد أن أخرجوا السكّان من دُورهم بالإجبار.

كان الأمير قد جمع بين الثقافتين الشرقية والغربية، إذ بدأ يبرز في السنوات الأولى للقرن العشرين في مجال التعليم، من خلال تأسيس الجامعة المصرية الأهلية الأولى التي سُمِّيت باسمه لاحقاً (جامعة القاهرة اليوم).

كما يكشف الأرناؤوط من خلال دراسته لآثار الجبرتي، أنه مع قدوم محمد علي ذي الأصول الألبانية إلى الحكم في عام 1805، وخلافاً للتوقعات، لم يؤيد بعض زعماء «الأرنؤوط» هذا الأمر، وهذا ما ظهر من خلال نزاع رمضان في العام ذاته، النزاع الذي خلّده التراث الشعبي الألباني، كما في كتاب «النحلة الألبانية»، الذي أصدره في الإسكندرية خلال 1878 الباحث والشاعر الألباني المقيم في مصر آنذاك ثيمو ميتكو، إذ نعثر فيه على ثلاث أغنيات تتحدث عن النزاع الذي اندلع بين بعض قادة الألبان في مصر ومحمد علي، ويبدو في هذه الأغاني أن هؤلاء القادة كانت لهم مطالب وأموال مُستحقّة عن خدمتهم عند محمد علي، كما تقوم هذه القصائد بالتمجيد في اثنين منهم (رجب تشولاكو ورستم ديبرا). ما يُبيِّنه هنا الارناؤوط أن حكم محمد علي لم يستقر بسهولة في البداية، وأن الجنود والعساكر الألبان كانوا في أكثر من مناسبة قاب قوسين أو أدنى من الفتك به، وهو ما قد يطرح علينا تساؤلات حول ماذا كان سيحدث لو أن هؤلاء القواد هزموا محمد علي؟ كيف كانت ستكون عليه مصر لاحقاً؟

الأمير فؤاد ودراويش لاجئون

يخصص الارناؤوط الفصول الأخيرة للتطرّق لحياة الملك فؤاد، الذي قادته الأقدار أن يصبح ملكاً لمصر بدلاً من ألبانيا. كان الأمير قد جمع بين الثقافتين الشرقية والغربية، إذ بدأ يبرز في السنوات الأولى للقرن العشرين في مجال التعليم، من خلال تأسيس الجامعة المصرية الأهلية الأولى التي سُمِّيت باسمه لاحقاً (جامعة القاهرة اليوم). وبعد اندلاع حرب البلقان ضد الدولة العثمانية، وتوغّل جيوش صربيا وبلغاريا واليونان في الولايات ذات الغالبية الألبانية، أخذ الألبان يطالبون الأمير فؤاد بتولِّي مهمة الدفاع عن وطنهم. فتكشف لنا وثيقة قام بنشرها الأرناؤوط لأول مرة، أن الألبان المصريين نظروا إلى الأمير فؤاد آنذاك بوصفه يُمثِّل «الدم الألباني الصافي»، ورغم ذلك، نصّبت الدول الأوروبية نبيلاً ألمانياً بدلاً منه، قبل أن تأتي الحرب العالمية الأولى، لتطرح دوراً جديداً على الأمير فؤاد ليصبح ملكاً لمصر بدلاً من ألبانيا.
ويبدو أن تأثير الحرب العالمية على ألبانيا لم يقتصر على ذلك، بل أدّت كذلك إلى صعود دور الزاوية البكتاشية في القاهرة، فقد دفعت عمليات العنف التي مارستها القوات اليونانية ضد المسلمين في جنوب ألبانيا بعدد من الشيوخ والدراويش للجوء إلى القاهرة. وكان من أشهرهم بابا شعبان شيخ تكية بريشتا، ومن ناحية أخرى فقد ساعدت الظروف الجديدة، التي سادت بعد إلغاء السلطنة الخلافة العثمانية واحتلال إيطاليا لألبانيا، على تحوّل التكية البكتاشية في القاهرة إلى ما يشبه السفارة.
ومع هذا التطور الذي جعل تكية القاهرة مركزاً للطريقة في العالم، قام سري دده بابا في نهاية 1951 بجولة طويلة في تركيا، لبعث الصلات مع البكتاشية هناك، ولكن عندما عاد في خريف 1953 وجد عالماً آخر في انتظاره، فبعد ثورة يوليو/تموز 1952 وإقصاء الملك فؤاد، تتالت الإجراءات ضد أفراد الأسرة الملكية بالمصادرة، ما أفقد التكية مصدر دعمها المالي والمعنوي، لتبدأ الهجرة المعاكسة للجالية الألبانية إلى الخارج، خاصة إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، ما أدى إلى انخفاض سريع في أفراد الجالية الألبانية من الآلاف إلى المئات، ولتغدو حكايا العسكر والدراويش الألبان جزءاً من الماضي المنسي من تاريخ مصر.

٭ كاتب من سوريا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*