الثورة على أصحاب المليارات

 جلبير الأشقر 
القدس العربي
20112019

«لا يحتاج ولا يستأهل أي مرء أن يكون صاحب مليارات». وردت هذه الفكرة في الخطاب الذي ألقاه يوم الثلاثاء جون ماكدونل، وزير المالية في حكومة الظلّ البريطانية والشخصية الثانية في قيادة حزب العمّال بعد جيريمي كوربن، وفق النصّ الذي جرى توزيعه مسبقاً على الصحافة. وهي فكرة تستحق التأمل ولو أنها تكاد تكون بديهية. فلا يختلف اثنان على أن ما من مرء «يحتاج» إلى (مليارات) الجنيهات أو الدولارات، بمعنى أن سدّ حاجات الناس بما فيها الترفيهية يتطلّب أقلّ من هذا المال بكثير، وأن أي «حاجات» يتطلّب سدّها الحيازة على مليارات إنمّا هي من باب الدلع المقيت. أما أن «يستأهل» أحد أن يملك مليارا، فيدرك الرأي العام أن مثل تلك الثروات إما أن تكون موروثة أو تكون مشبوهة، إذ أن جمع مثلها خلال سنوات أو حتى عقود قليلة إنما يشير بالتأكيد إلى أساليب ملتوية. فحتى الذين بنوا ثروتهم بفضل بدعة تقنية أو تجارية، على غرار مايكروسوفت أو أمازون، اشتهروا بأساليبهم الشريرة والملتوية في القضاء على شتّى المزاحمين.
وقد أصاب ماكدونل بوصفه امتلاك مليار جنيه بأنه واقعٌ داعرٌ، إذ حسب أن إنساناً يعمل بالحد الأدنى للأجور البريطاني يحتاج إلى 69 ألف سنة (أجل، 69 ألفية!) كي يجمع ذاك المبلغ، هذا بدون أن ينفق من مدخوله شيئاً. أما ممرّضٌ أو ممرّضة يدخلان سوق العمل البريطاني اليوم، فيحتاج الواحد منهما إلى خمسين ألف سنة كي يجمع المبلغ ذاته. قارنوا هذه الأرقام بالرقم الذي يشير إلى أن ثمة 2604 من أصحاب مليارات الدولارات في العالم، حسب إحصاء Wealth-X لعام 2019، منهم 97 في المملكة المتحدة التي تأتي في المرتبة العالمية الخامسة بعد الولايات المتحدة (705) والصين (285) وألمانيا (146) وروسيا (102).
ولا تحسبنّ أن جماعتنا العربية غابت عن الطليعة في هذا المجال، وكيف بها تغيب ومكانتها رفيعة في شتى أنواع التصنيفات المشينة. فتأتي المملكة السعودية في المرتبة العالمية التاسعة مع 57 من أصحاب المليارات تليها في المرتبة العاشرة الإمارات العربية المتّحدة وينتمي فيها 55 إلى الفئة ذاتها. ويفيدنا التقرير الأخير لبنك الاعتماد السويسري (كريدي سويس) حول الثروة العالمية بأن عدد الذين تفوق أصولهم الصافية (بعد حسم الديون والالتزامات) نصف مليار دولار (500 مليون) هو 69 في المملكة السعودية و15 في الإمارات و11 في مصر، أما عدد الذين تبلغ أصولهم الصافية بين مئة وخمسمئة مليون دولار في البلدان ذاتها فهو 434 في المملكة و141 في الإمارات و86 في مصر.

ذلك أن جماعتنا العربية بارعة في مجال اللامساواة الاجتماعية، كما تشير إليه أرقام تقرير البنك السويسري. فلو قارنّا عدد الذين تزيد ثروتهم عن المليون دولار (وهو سقف أدنى بألف مرة من المليار) بعدد الذين يملكون أقل من عشرة آلاف من الدولارات (تشمل الثروة بالطبع مجموع الممتلكات، بما فيها الحاجيات مثل المنزل ووسيلة النقل)، وجدنا أن 0.1 بالمئة من المصريين يملكون ما يزيد عن مليون دولار بينما 71.4 بالمئة منهم تنقص «ثروتهم» عن عشرة آلاف من الدولارات. والنسب المماثلة هي، حسب الترتيب الأبجدي اللاتيني للتقرير: أقل من 0.1 مقابل 78.7 في الجزائر؛ 0.1 مقابل 58.9 في العراق؛ 0.1 مقابل 47.8 في الأردن؛ 0.5 مقابل 45.2 في لبنان؛0.1 مقابل 55.2 في ليبيا؛ 0.1 مقابل 75.5 في المغرب؛ 0.6 مقابل 41.4 في المملكة السعودية؛ أقل من 0.1 مقابل 99.7 في السودان؛ 0.1 مقابل 97.1 في سوريا؛ أقل من 0.1 مقابل 68.6 في تونس؛ أقل من 0.1 مقابل 93.3 في اليمن.
يتعلّق ما سبق بالثروة، أما بالنسبة إلى الدخل، فلا توجد معلومات موثوقة بما يخصّ البلدان العربية. غير أن تقرير اللامساواة العالمية الذي يصدره «المختبر» الذي ينتمي إليه الاقتصادي الفرنسي الشهير توما بيكتي، يفيدنا بأن منطقة الشرق الأوسط بمجملها هي الأسوأ في العالم من ذاك المنظار، إذ إن أثرى عشرة بالمئة من سكانها يحصلون على ستين بالمئة من دخلها الإجمالي بينما يحصل أثرى واحد بالمئة على ربع هذا الدخل.
وتتواضع هذه الأرقام المجرّدة أمام الوقائع الحيّة مثل حكاية اليخت الذي ملكه أحد أثرى الأثرياء الروس، اغتنى بصناعة الفودكا، والذي استهوى متولّي العهد السعودي، فاشتراه بما يزيد عن نصف مليار دولار (500 مليون يورو) هديّة لذاته بمناسبة عيد ميلاده الثلاثين! أو القصّة الأكثر تواضعاً لكنّها لا تقلّ تعبيراً التي شاع بموجبها أن وريثاً آخر هو رئيس الوزراء اللبناني وهب امرأة شابة من أفريقيا الجنوبية مبلغ 16 مليون دولار من باب العشق. ومثلما حسبَ ماكدونل عدد سنوات العمل، بل الألفيات، التي يقتضيها جمع مليار جنيه من المواطن البريطاني العادي، حسبَ اللبنانيون أن المواطن اللبناني العادي الذي يتقاضى الأجر المتوسط في البلاد وهو يبلغ 600 دولار، لا بدّ له من أن يعمل مدّة 2200 سنة (ألفيتان وقرنان من الزمن) بلا أي نفقات كي يجمع مبلغ الهبة التي تكرّم بها «دولة الرئيس» على العشيقة.
فلا تعجبنّ من ثورة الشعوب العربية، بل تعجّبوا بالأحرى من أن هذه الشعوب انتظرت حتى العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين حتى أخذت تثور! أما وقد بدأت، فلن تتوقف في وقت قريب، بل ستواصل مسارها الثوري حتى تقضي على اللامساواة الفاحشة التي تسود في بلدانها.

كاتب وأكاديمي من لبنان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*