الثورة اللبنانية أمام الأبوية العنيدة والمتآكلة

حسن منيمنة
الحرّة
07112019
https://www.alhurra.com/

اللبنانيون، جميعهم، ليسوا بموقع واحد، لا داخل الثورة ولا إزاءها. ففيما يجتهد البعض من خارج الثورة لتصيّد هفواتها وتبيان أنها لا تستوفي “الأسس العلمية” لتسمّى ثورة، بل هي انتفاضة، بل هي حراك، بل تظاهرات، بل قطع طريق، يعتبر العديد ممن هم داخلها أنها ثورة تامة وهي في طريقها إلى “إسقاط النظام”.

صدق ثوار لبنان.

فلو أن هذه الثورة قد انتهت للتوّ إلى غير عودة، وليس البتّة ما يدعو إلى افتراض أن ذلك سوف يحصل، فإن ما أظهرته في هذه الأيام القليلة الماضية يرتقي إلى سقوط فعلي للنظام، بما يتجاوز المعنى السياسي للكلمة.

ليس أن التحركات المضادة، والتي تقدم عليها أطراف السلطة غير قابلة للنجاح، ولكن حتى إذا استعادت هذه السلطة بعض ما فقدته، فإن وهم ثبات نظام الطائفية والإقطاعية قد تلاشى، لا برفع سلاح، كذاك السلاح الذي لا يحمي إلا غطرسة أصحابه، بل من خلال نموذج التلاقي الوطني الفوري على أساس وحدة الألم والهم، والتجربة المتواصلة التي من شأنها إخراج عقد اجتماعي جديد يصيغه المواطنون أنفسهم ليحل محل “ميثاق” الزعماء الطائفي.لبنان في ثورته يقدّم تجربة رائدة لثورة سلمية تفكّك منظومة متشعبة قائمة على العصبيات والأبويات

اللبنانيون في ساحات الثورة يضعون موضع التنفيذ مبدأ المواطن السيد، صاحب الحق بأن يسائل. لم يأت تطبيق هذا الحق نتيجة تعبئة عقائدية، أقلّه للوهلة الأولى. على أنه منذ أن امتلأت الساحات، واللقاءات والندوات وفرص التعبير عن الأفكار، مهما بالغت وتباعدت، تتيح مجال الانتقال من الإدراك الضمني إلى الوعي الصريح.

“أنا ممولة/ممول الثورة” و “أنا قائدة/قائد الثورة” عبارات تناقلها الثوار في تغريداتهم في رد على المتذاكين من طواقم السلطة في تساؤلاتهم عن مصدر الثروات التي وفّرت الماء والطعام للثوار في الساحات. وما ابتدأ جوابا متهكما، يتحول بفعل إدراك الأدوار الذاتية إلى حقيقة تسمح بالارتقاء.

الحقيقة الجديدة التي تجد سبيلها إلى الوعي الوطني هي أن الثورة هي فعل الثوار لا القادة، وذلك رغم أن العديد من هؤلاء الثوار ما زال يساجل مكانه في هذه المعادلة، بل رغم أن ثمة منهم، ولا سيما من أجيال متقدمة، مستمر في الركون إلى أبوية الزعيم، يريد انتقاده ولكنه غير مرتاح لإسقاطه.

واقع الحال أن الأبوية مقولة قد تصدعّت بالنسبة لكافة الزعماء. على أنها استُنزفت بشكل خاص لدى لرئيس الجمهورية، مع تداعي الصيغة التي تشبّه الجمهورية بالعائلة، وترسو على الأبوية لرئيسها. ميشال عون لم يتصرف على أنه “بيّ الكل” (أبو الكل)، بل صمت دهرا، أو أياما كالدهر، ونطق كفرا، أو كلاما خشبيا لا ينمّ عن إدراك لخطورة اللحظة. عون فرّط بمشاعر كثيرين حرصوا على تاريخ رجل أرادوا في تسعينيات القرن الماضي أن يكون رجوعه أملا بعودة الوطن.

عبارة “عون راجع” على جدران المدينة في خضمّ الاحتلال السوري كانت وعدا اقترب معه عون من المقام الغيبي الديني. عاد عون، واستتب الإنكار لطمس خيبة الأمل، إذ كان جليا أن الرجل ليس بقياس الصورة، وأن أداءه قاصر ومواقفه ملتبسة. الكثيرون اختلقوا له الأعذار، ولكن هذه تراجعت مع توليه الرئاسة ليتبين أن اتفاقه مع “حزب الله” ووعوده بالإصلاح والتغيير لم تبدل في الواقع شيئا.

ورغم الفشل الموضوعي، فإن وهج التجربة التاريخية يتطلب مراعاة لخصوصية جمهور عون، كما المراعاة لخصوصية جمهور “حزب الله”، في توفير السبل لهؤلاء ولأولئك لخروج مشرّف من منطق العصمة الأبوية.الحقيقة الجديدة التي تجد سبيلها إلى الوعي الوطني هي أن الثورة هي فعل الثوار لا القادة

زعامات ما قبل الثورة كانت محصّنة بالهيبة والأبوية، ما أتاح للعديد منها الإمعان في الاستبداد أو في الاستحواذ على المال العام. فإذ جاءت الثورة لتتحدى هذه الزعامات وتنزلها، فإن الشتيمة والاستهزاء كانا على قدر الألم، إشهارا بأن هذه الحصانة قد رفعت. إنما ثمن ذلك هو دفع الآخر باتجاه العصبية المضادة والتقوقع.

على أن الأبوية تراتبية، ومنطقها يقضي بأن الزعيم يعلو على أتباعه، فيما الرجال يعلون على النساء. ليس صدفة أن شتيمة الرجل هي سباب المرأة المقرّبة إليه.

ولبنان، والذي سبق غيره من دول المنطقة إلى منح النساء حق التصويت في الانتخابات، لا يقرّ بحق اللبنانية المتزوجة من أجنبي بأن تمنح الجنسية اللبنانية لأولادها.

ثمة تباعد بين الصورة الذاتية، بالتأكيد، والمجتمعية، إلى حد ما، للمرأة اللبنانية، والقائمة على الإقرار بقدراتها المتساوية مع الرجل، وبين الواقع الأبوي المتواصل في النصوص التشريعية، والذي يحرمها من حقوق يضمنها للرجل.

فالثورة لا تكون ثورة إلا بتحدي الأبوية بمختلف أوجهها. ولبنان، كما سائر العالم، بحاجة إلى انتفاضة نسوية ترتقي بنظرة المجتمع عامة إلى المرأة للإقرار بتمام إنسانيتها وبمساواتها بالرجل في حقوقها وواجباتها وحرياتها ومسؤولياتها. ثورة لبنان تحتضن انتفاضة نسوية. بل الأصح القول، مع الثوار، بأن الثورة أنثى. فالنسوية المسقِطة للأبوية هي التي تؤطر الثورة اللبنانية.

في الأغنية الشامية القديمة “طالعة من بيت أبوها”، المرأة هي إنسانة هشة، هي مادة الأغنية ومرام مغنيها، فاتنة ولكن مفعول بها. في ساحات الثورة اللبنانية، من طرابلس إلى صيدا وصور النبطية، من جل الديب إلى زحلة وبعلبك، لم تكن الهشاشة صفة المرأة، ولم تكن النساء بحاجة إلى حماية الرجال، بل هن من وقفن بين رجال الثورة ورجال الجيش لتذكير الجميع بأن الهم واحد والقلب واحد والوطن واحد. في المسيرة النسوية التي شهدها وسط بيروت، كلمات الأغنية القديمة تبدّلت، فالمرأة اللبنانية عن جدارة “طالعة تسقّط نظام”.

على أن بعض شباب الثورة، في حماس من وحي التحرر الذي حققته أصواتهم إذ صدحت بالشتائم لبعض الزعامات، أساؤوا بتكرار لسيدة لبنانية من أنصار الرئيس عون كانت أعلنت عن فرحها بانتخابه قبل ثلاثة أعوام. في سلسلة من الأفعال الموثقة عبر محافل التواصل الاجتماعي صدر عن هؤلاء مقادير من التهكم والتندر والتنمر والاستهزاء نحو هذه المواطنة متجاوزين حقها بالخصوصية والاحترام.

حسنا فعل العديد من المشاركين بالثورة والمؤيدين لها إذ توجهوا عبر محافل التواصل الاجتماعي بالاعتذار من جيهان خوري، في فعل تزكية وإن جزئية للثورة مما علق بها من تنمر وأبوية. على أن التقدير والاحترام استحقتهما جيهان خوري نفسها حين تكلمت في جمع مؤيد للرئيس عون، فجاءت كلمتها لتتعالى على الإهانة دون أن تتكبر على من أهانها، وإن أكدت على اختلافها معهم في القراءة والأخلاق.الأبوية تراتبية، ومنطقها يقضي بأن الزعيم يعلو على أتباعه، فيما الرجال يعلون على النساء

جيهان خوري، ومعها الغالبية العظمى من أنصار الرئيس العماد، ما زالوا يعوّلون على أبويته. هم استثمروا في هذا التعويل سنين طويلة وعواطف مديدة. وهذا هو حال الجمهور الصادق المؤيد لـ”حزب الله”. المعضلة بالنسبة لهم هي الخروج من حال الإنكار بأن الأبوية المنسوبة لزعاماتهم لا تستقيم على أرض الواقع، وأن أوان إشهار سيادتهم كمواطنين قد حان.

ولكن جيهان خوري لم تقف على المنصة مرددة “بالروح بالدم نفديك يا زعيم”، لم تتوعد من أهانها بالجرف وشر العواقب. بل إن جيهان خوري، رغم تمسّكها بأبوية زعيمها، تقدّم نموذجا حضاريا قويا للخروج من السلوك الذي تبنى عليه الأبويات، نموذج إصرار على الموقف ودفاع عنه في إطار احترام الآخر رغم الإساءة الصادرة منه.

الاصطفاف بشأن الثورة اللبنانية ليس بالشكل. أي أن بعض من سارع إلى التمسح بالثورة ليس من روحها. من جعل من فعل العصيان بقطع الطرق وسيلة للاستئساد على المواطنين مكانه الطبيعي في صفوف من يحمل العصي ويضرب من يخالفه الرأي. هؤلاء قلّة، والتبرؤ منهم حاجة متحققة.

في الجهة الأخرى، من يرى الخلاف مدخلا للحوار سعيا للارتقاء الصادق للوطن، وهم كثر في صفوف التيار والحزب والحركة وكافة أحزاب الثامن من آذار، هو من الثورة وجدير بها احتضانه.

لبنان في ثورته يقدّم تجربة رائدة لثورة سلمية تفكّك منظومة متشعبة قائمة على العصبيات والأبويات. وربما أن إنجازها الجلي الأول هي أنها كشفت عن عقم الأبوية. الطريق أمامها شاق وطويل، على أن تسير بخطى وثيقة. وتستحق لذلك كل التقدير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*