الثمن الذي يمكن أن يدفعه لبنان للتسوية السورية

روزانا بومنصف
النهار
14092017

السؤال ينطلق من اعتبارين على الاقل ان لبنان كان دوماً او في غالبية الاحيان يدفع الاثمان لأي تسوية سياسية في المنطقة اياً تكن، فيما ان الانقسام السياسي الحاصل وعدم وجود دولة موحدة تستطيع الدفاع عن مصالحها يدعو الى الاسف. واذا توقف المرء عند اي مؤشرات في هذا الاتجاه، فيكفيه وفق مصادر سياسية، العجز عن الاحتفال بانتصار الجيش على الارهاب وتضييعه في خضم توظيف مصالح شخصية، علماً أن تمنّي رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع في دعوته الى المشاركة في حفل الانتصار الذي الغي ان يكون احتفال 14 ايلول البداية الجديدة لقيام الجمهورية القوية كما قال، يعني ان البداية السابقة لقيام هذه الجمهورية لم تحصل واحباط الحفل يعني ان هذه البداية لن تحصل. والاعتبار الثاني ان هناك غياباً للبنان عما يجري في سوريا او يعد لها. فدول الجوار السوري كلها حاضرة وتستعد للتسوية بالسعي الى تحصيل اوراق او نفوذ او حصة لئلا تدفع ثمناً باستثناء لبنان. فهناك من جهة الاردن الذي يحصّن حدوده ويفرض ما يناسبه بحماية واقرار من الثنائي الاميركي الروسي الذي يجتمع في الاردن والذي حصل على الاقل على بعض مطالبه في شأن الجنوب السوري. وهي الحال نفسها بالنسبة الى اسرائيل التي نالت حصة من ضمان حدودها من جهة، وفرضت قواعدها وخطوطها الحمر عبر الضربة الجوية التي وجهتها الاسبوع الماضي الى موقع لاعداد الصواريخ الايرانية والسورية قرب قاعدة حميميم الروسية. وهناك تركيا وايران، وكلاهما جزء من ثلاثية اتفاق استانا مع روسيا وهناك في المقابل “حزب الله” الذي يراقب التفاعلات الكثيرة التي يثيرها من حوله والتي يشكل جزءاً بسيطاً منها خوضه معركة جرود عرسال وما ادت اليه من انعكاسات لم تهدأ بعد. ومع ان “حزب الله” ليس لبنان، لكنه الطرف من لبنان على الارض السورية والتي سبق ان قال امينه العام السيد حسن نصرالله ان من سيكون على الارض في الميدان السوري سيكون له الموقع في المنطقة، فيما ذهب قبل ايام الى القول كما نقل عنه ان الحزب يكتب تاريخ المنطقة ولا يكتب تاريخ لبنان فحسب. ومع ان هذا الكلام قد ينمّ عن الكثير من الاستهلاك الداخلي لكنه ايضاً يعبّر عن انشداد الحزب نحو الحصول على ثمن في مقابل ما قدمه للنظام السوري حيث انقذه في مواقع عدة، في الوقت الذي وان كانت ستحصل تسوية سياسية فعلية في سوريا وفي ظل المطالبة بانسحاب كل الميليشيات من سوريا، فان الاثمان المطروحة على الطاولة قد تتفاوت تبعاً للتفاوض الذي تجريه ايران بالاصالة عن نفسها وبالنيابة عن الحزب، ليس في حفظ موقعه فحسب بل في نيله مكافأة كبيرة ايضاً.

يثير البعض تساؤلات في هذا الاطار ويتخوّف من ان تشرعن سيادة الحزب على لبنان. فالواقع ان كثيرين لم يعودوا يأخذون باحتمال قيام حرب بين اسرائيل والحزب وتالياً مع ايران، على رغم الخطاب المعتمد في هذا الاطار. فايران كسبت الكثير وكذلك الحزب وليسا على استعداد للتفريط بذلك. وفيما يقول البعض أن الحزب يسيطر على لبنان فعلاً وعملانياً راهناً، وعدم الرد على كل الاستهدافات الاسرائيلية خلال العامين الماضيين ليس عبثياً وانه ينتظر بفارغ الصبر الانتخابات النيابية المقبلة لكي يشرعن سيطرته عبر السيطرة على مجلس النواب بالحصول على الغالبية مع حلفائه الذي سيؤمن وصولهم او يساعدهم في ذلك. وربّ قائل ان هذا الواقع لا يحتاج الى ان يكون حصة الحزب ما دام سيحصل عليه واقعاً، لكن هناك جملة اعتبارات تبقي وضعه ملتبساً على الصعيدين الاقليمي والدولي، وكذلك الامر بالنسبة الى سلاحه. وثمة من يسأل اذا كان هذا السلاح سيتم تشريعه فعلاً وليس بالقوة كما يجري راهناً تحت وطأة مقايضة بالسيطرة الشرعية على البلد، ما يعني ان الصفقة تشمله مع اسرائيل وكل الدول المنخرطة في واقع الحرب السورية فيما لبنان كدولة ليس موجوداً.

والسؤال في ما يتعلق بالزيارات التي يقوم بها راهناً كل من رئيس الحكومة سعد الحريري والتي يستعد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون للقيام بها اذا كان السعي الى منع ان يدفع لبنان ثمن التسوية المحتملة في سوريا بأي شكل من الاشكال هماً مشتركاً فعلياً بينهما، علماً ان المواقف متناقضة في هذا الاطار، وهل وكيف يمكن ان يكون ذلك على جدول اي محادثات يجريها رئيس الجمهورية في نيويورك ثم في باريس لاحقاً. فالشكوك قوية في وجود موقف رسمي موحد ومقاربة واحدة نتيجة غياب البحث فعلاً في اي مسألة خارج اطار ادارة مرحلة الواقع الحالي. يضاف الى ذلك ان لا اهتمام رئيسياً وفعلياً خارجياً بلبنان يحول دون دفع الاخير الثمن. وهذا الغياب الكبير يكشفه التخبّط القائم بين الدول العربية وفق ما ظهر على نحو واضح في الاسابيع الاخيرة والذي تفجّر على نحو فاضح في اجتماع وزراء الخارجية العرب. فمع ان الافرقاء اللبنانيين لا سيما منهم الذين اعتمدوا دوماً على التماسك العربي، يشعرون بواقع كارثي على وقع الازمة المحتدمة بين المملكة العربية السعودية ومعها مصر والامارات العربية والبحرين في مقابل قطر، انطلاقاً من ان هذه الازمة ساهمت في تمزيق موقع القوة الذي كان يتمثل في دول التعاون الخليجي فضلاً عن ان انشغال هذه الدول ببعضها البعض ساهم للآخرين بمن فيهم وفي مقدمهم ايران، على نحو يبدو لبنان متروكاً اكثر من اي وقت مضى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*