الرئيسية / home slide / التوجه شرقاً: المزيد من تصعيد الكباش

التوجه شرقاً: المزيد من تصعيد الكباش

بعد مضي نحو 12 يوما على حرب تموز 2006 وقف سفير دولة كبيرة مؤثرة في مرفأ بيروت للاشراف على عملية ترحيل رعايا بلاده من لبنان الى قبرص تمهيدا لنقلهم في المرحلة الثانية الى بلاده. كانت المفاجأة الكبيرة بالنسبة اليه العدد الكبير من ابناء الطائفة الشيعية الذين يحملون جنسية بلاده والذين رغبوا بقوة في مغادرة لبنان اذ انه لم يكن يتوقع ان يكون العدد الاكبر من الرعايا من الطائفة الشيعية تحديدا والذين رغبوا في هجرة الجنوب اللبناني وسط الحرب الاسرائيلية على لبنان. يستعيد احد السياسيين هذه الحادثة في معرض تساؤله اذا كانت الطائفة التي تشكل البيئة الحاضنة لـ”حزب الله” والتي يحمل اعداد كبيرة من ابنائها الجنسيات الغربية على نحو يكاد يفوق عدد المسيحيين او السنة، تقبل بالاقتراحات التي ساقها الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله في معرض تقديم النصائح للتوجه شرقا الى الصين او ايران والتخلي عن التعامل بالدولار الاميركي وان استطلاعا للرأي قد يجوز في هذا الاطار ان لم يكن الذهاب الى انتخابات نيابية مبكرة وفق ما وافق سياسيون رئيس حزب الكتائب سامي الجميل قوله في هذا السياق من اجل ان يحدد اللبنانيون خياراتهم. اذ ان اللبنانيين جميعهم كافرقاء سياسيين وغير سياسيين لن يوافقوا على ما اقترحه الامين العام للحزب حتى لو على خلفية قوله ” ان اميركا لا تفتش في لبنان الا على مصالح اسرائيل وامن اسرائيل والحدود البرية والبحرية للكيان ومستقبله، وان الاميركيين لا يبحثون عن سيادة ومصلحة لبنان ولا يعملون محبة بالشعب اللبناني وهم يبحثون فقط عن المصالح الاسرائيلية” كما قال. اذ ان الولايات المتحدة تبحث عن مصالحها وكذلك تفعل ايران في سوريا وفي لبنان ولا يهمها مصلحتهما على رغم ما رأى سياسيون في كلام نصرالله من تشدد لعدم رغبته في التفاوض راهنا في ملف الحدود مع اسرائيل باعتبار ان الكرة لا تزال في ملعب لبنان منذ ترك السفير ديفيد ساترفيلد الاهتمام باجراء مفاوضات بين لبنان واسرائيل حول هذا الموضوع. فهناك ضغوط يدرك الامين العام للحزب وجودها في هذا الملف تخفيفا لما يواجهه لبنان وهذه الضغوط يمارسها حليفه المسيحي لاعتبارات متعددة من بينها محاولة تحسين حظوظ الوزير السابق جبران باسيل لدى الاميركيين. لكنه ملف يمكن ان يفتح بابا مع اميركا من اجل تخفيف الضغط فيما يرفع السيد نصرالله السقف من اجل عدم الخضوع لضغوط في هذا الاطار في مقابل الضغوط على التهريب الى سوريا واسناد النظام السوري. ويرغب الحزب ان يوقت موضوع الحدود على ساعته وليس على الساعة الاميركية او سواها، لكن الامر قد لا يتحمله حليفه المسيحي في السلطة لاعتبارات مختلفة.

ولا يجد سياسيون واقتصاديون غرابة في الدعوة المتكررة للسيد نصرالله للتوجه شرقا وحتى للتخلي عن الدولار الاميركي. فايران نفسها بدأت معزوفة الرغبة في التخلي عن استخدام الدولار كمرجعية مالية في 2002 حين كان العراق قد سبقها الى ذلك في العام 2000 لجهة تحويل مبيعات نفطه الى الاورو وعملت طهران مجددا في 2016 على الرغبة في التخلي عن الدولار في مبيعات نفطها لمصلحة عملات اخرى وهناك تحالف جرى بين دول البريكس وكل من الصين وروسيا رغبت طهران في الانضمام اليه من اجل التخلي عن التعامل بالدولار في التعاملات التجارية. وفيما اقامت الصين ترتيبات مع دول كبرى من اجل استخدام سعر تبادلي بين العملات المحلية لهذه الدول واليوان الصيني رغبة من الصين في فك ارتباط سعر عملتها بالدولار الاميركي، فان الموضوع لم يكن بهذه البساطة بالنسبة الى ايران ولم تستطع ذلك فعلا ولا سواها ايضا كتركيا مثلا ولو ان بعض التعاملات تتم بواسطة العملات المحلية من اجل التخلص من الضغوط عبر التعامل بالعملات الاجنبية. اذ ان ايران تعتمد على مبيعات النفط والغاز فيما ان لجوئها الى العملة الصينية في مقابل ذلك لن يتيح لها استخدامه في التعاملات الدولية تماما كما واجهت روسيا هذا الامر ايضا. وهذا الموضوع لا يزال يحظى بالكثير من المتابعة والنقاش على الصعيدين الاقليمي والدولي لا سيما في ظل الصعود الصيني اقتصاديا وسعيه الى منافسة الولايات المتحدة، لكن سيطرة الدولار على الاسواق العالمية قائمة ومستمرة وازاحته عن عرشه لن يكون غداً لاعتبارات متعددة يصعب الدخول فيها في هذا السياق. والمسألة ليست بهذه البساطة بالنسبة الى لبنان علما ان الاسباب الفعلية تتعلق بالحزب وحده اكثر مما تتعلق بلبنان في الواقع. فالموضوع لا يثار من منطلق اقتصادي ولو ان هناك انهيارا اقتصاديا في لبنان راهنا بل هو سياسي في الدرجة الاولى بحيث يستخدم لبنان ككل في الكباش الايراني مع الولايات المتحدة. ذلك علما انه اذا اخذت الامور من وجهة نظر اقتصادية فان الرفض الكلي لاجراء اي اصلاحات تتيح للبنان الحصول على مساعدات خارجية من صندوق النقد الدولي لا تبدو كسبب او مبرر كاف للبنان في هذا الاطار وكذلك الامر بالنسبة الى ان الضغوط الاميركية تطاول حاليا النظام السوري في محاولة فرض ضغوط اضافية على طهران للانسحاب من سوريا كذلك وتقييد حركة “حزب الله” ونفوذه. انها حسابات الحزب واعتباراته فحسب سيما في ظل توتر اميركي صيني على خلفية تفشي وباء الكورونا والمصالح الاقتصادية المتضاربة. وليس واضحا اذا كان التلويح بالذهاب الى الصين ينفع لبنان او يجعله يكسب اي شيء قياسا بمسارعة وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو اخيرا الى اسرائيل لمنع عقود مع الصين تمس قطاعات حساسة امنية وعسكرية. لكن التلويح او التهديد بمساعي إلحاق لبنان بما يطلق عليه محور ” الممانعة” اكثر فاكثر من شأنه ان يحمله اكثر مما يحتمل سيما في ظروف تزداد صعوبة بالنسبة الى اللبنانيين.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb