التواضع لمصلحة البلد مفقود

غسان حجار
17112018
النهار

بدا للأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله أن “التواضع غير مُفيد” في لبنان، لكنّه آثر عدم ذكر محطّات التواضع، في السياسات التي يعتمدها مع حزبه، في مختلف المواقف والقضايا. وإذا كان السيد يرى أنه يتخذ مواقف متواضعة، فإن تفنيد تلك الرؤية، يضربها في العمق، إذ يبدو جليّاً أن لا تواضع في مواقفه وفي مواقف مختلف مكوّنات الطبقة السياسيّة في لبنان، لأن محطّات الاستقواء لدى غيره من الأفرقاء طواها انتهاء الحرب اللبنانيّة، فيما شكّلت مرحلة ما بعد الحرب “تقليعة” الحزب الذي حاول أن يُعيد تجربة الآخرين، لكن في الوقت غير المناسب إطلاقاً.

وغياب التواضع لا ينحصر في “حزب الله” وحده، بل لدى الجميع.

“الرئيس القوي” و”العهد القوي”عبارتان لا تنمّان عن تواضع بل عن أحلام صارت من الماضي السحيق، والدليل انقضاء سنتين من “العهد القوي” في العثرات والمطبّات وعدم القدرة على تأليف “حكومة العهد الأولى”. والرئيس نبيه برّي الذي يختار ما يشاء من الحقائب الوزاريّة من دون احترام الشكل في تأليف الحكومات، ومحاولاته فرض إرادته في شتّى المواضيع من خارج صلاحيّات مجلس النوّاب، لا يُعبّر عن تواضع إطلاقاً.

والرئيس المُكلّف سعد الحريري الذي يرفض بشكل مُبرم تمثيل أولئك النوّاب الذين تجمّعوا في “لقاء تشاوري” بما يحول دون التأليف، يناقض تواضعاً يعرف به.

ورئيس “التيّار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل الذي عطّلت من أجله حكومات، ويُعطّل متى شاء لفرض شروط يُسمّيها “معايير” ليس متواضعاً البتّة. “القوّات اللبنانيّة” لم تلتزم التواضع إلّا عند بلوغ الحائط المسدود في إمكان حصولها على حقيبة سياديّة أو ما شابه. رئيس “تيّار المردة” اختار حقيبة الأشغال لتيّاره، وهدّد بعدم المشاركة في الحكومة بخلاف ذلك. “النوّاب السُنّة المستقلّون” المدعومون من “حزب الله” بشكل علني وواضح، افتقدوا كل التواضع، تماماً كما فعل النائب طلال إرسلان عندما انشئت له كتلة وهميّة مشابهة. هؤلاء جميعاً لم يتحدّثوا عن التواضع، ربّما لأنّهم وقفوا أمام المرآة. لكن “حزب الله” يعاتب اللبنانيّين ويأسف لأنّه اعتمد التواضع سبيلاً في التعامل مع “شركائه” في الوطن. علماً أن المُتابعة الدقيقة له تناقض الأمر. وأن البدائل تكون بفرض الإرادة ولو باعتماد العنف سبيلاً إليها، والتهديد والوعيد، والتعطيل. وهي أمور حاصلة.

فتعطيل الرئاسة الأولى لسنتين ونصف السنة، كان نزولاً عند رغبة الجنرال ميشال عون، لكن “المرتكب” كان الحزب مع حلفائه. وقبل ذلك تعطيل الحكومات زمناً طويلاً. والتفاخر بالأمر والإعلان عنه يناقضان كل تواضع.

ثمّ إن رفض البحث في استراتيجيّة دفاعيّة، وتحويل جلسات الحوار الوطني إلى مادّة للتسلية وتنفيس بعض الاحتقان ليس أكثر، لا يُعبّران عن تواضع إطلاقاً.

والقول بأن عدم توزير أحد “السُنّة المستقلّين” يعني عدم قيام حكومة، فهو فرض وتهديد لا يرقيان إلى التواضع حكماً.

إن العمل لبناء وطن، وهو مطلب الجميع بحق لأن لا بدائل لهم سوى العودة إلى الحرب، يتطلّب كمّاً كبيراً من التواضع في القول والفعل، وعدم التصلّب إلى هذا الحد، لأن الجميع يعرفون أن وزيراً زائداً أو ناقصاً لا يبدّل شيئاً في المعادلة القائمة على تسويات لا مفرّ منها. في واقعنا لا تواضع لدى الجميع إلّا مُرغمين.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb / Twitter:@ghassanhajjar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*