التلوّث والسرطان في لبنان… ارتفاع عدد الإصابات بالمرض في مناطق منكوبة! #ما_تخاف_منو

انفوغرافيك خاصة بـ”النهار”. (مصدر المعلومات: منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة).



بات شبه مؤكد أن ازدياد حالات السرطان لم يعد مرتبطاً بعامل وراثي او اسباب غير معروفة فقط، وهذه الحالة فرضت تأهباً دولياً من مختلف الجهات وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، وبات معلوماً أيضاً ان عوامل أخرى ومسببات مباشرة وغير مباشرة تزيد من مخاطر الإصابة بالسرطان. نحن في زمن “السرطان”، هذا الخبيث أصبح موجوداً في كل مكان، والتصدّي له يفرض علينا البحث في أسبابه بغية طرح حلول واستراتيجيات لمواجهته والحدّ من انتشاره والأهم كيفية الوقاية منه.

في جولة سريعة على اكثر المناطق تلوثاً، نستعرض تأثير التلوث البيئي والصناعي وحرق النفايات على صحة المواطن وارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان، لاسيما في سرطان الرئة. 

نهر الليطاني

يشكل نهر الليطاني الخزان المائي الأكبر للبنان، فيمتد طوله على 170 كيلومتراً، ويشكّل حوضه خمس مساحة لبنان، إلا أن تلك النعمة تحولت مع مرور السنين إلى نقمة بسبب التعديات عليه من قبل المعامل ومياه الصرف الصحي، ليتحول مع مرور السنين إلى سبب رئيسي للموت في البلدات البقاعية.

تحركات قضائية وإقفال معامل، وتحذيرات ومقاطع فيديو انشترت في الفترة الأخيرة، سلطت الضوء على الكوارث البيئية التي يتعرض لها النهر. وما الصرخة التي أطلقها أهالي بر الياس قبل نحو عام عن ارتفاع حالات السرطان إلى 600 حالة، إلا دليل على عمق الأزمة. وأكد النائب عاصم عراجي في حديث لـ”النهار” أن الكارثة تضرب حياة الأبرياء، ونسبة 15% من تلوث الليطاني تعود إلى المواد الصناعية و85% سببها مجاري المياه والصرف الصحي. وعلى الدولة منع المصانع من رمي نفاياتها الصناعية والنحاس والرصاص في النهر. وهي أمور تحل خلال أيام إذا ما اتخذت الإجراءات اللازمة من قبل المصانع.

معمل الذوق الحراري

“منطقة منكوبة. أمراض ربو. أمراض جلدية. حساسية. وفيات بسبب السرطان”. إنه لسان حال سكان منطقة الذوق الذين يعانون الأمرّين منذ عقود. الوضع لم يتغيّر كثيراً بالنسبة للكثيرين، رغم الوعود. فالغازات السامة المنبعثة من معمل الكهرباء في المنطقة لا تزال هاجسهم الأول، ومئات الإصابات بالسرطان حصلت منذ سنوات في المنطقة، إضافة إلى عشرات الوفيات، حتى إن العديد من السكان اضطروا إلى نقل أماكن سكنهم بسبب الروائح، وفق ما أكدت بلدية الذوق.

منذ العام 1983 بدأ معمل توليد الكهرباء في الذوق يتوسع توازياً مع متطلبات إنتاج الكهرباء. ومعه انطلق انبعاث المواد السامة. تحركات عديدة نفذها الأهالي والبلدية رفضاً للسموم المنطلقة من المعمل. ولسخرية القدر، فإن تحقيقاً كتب في “النهار” يعود إلى تشرين الثاني من العام 1994 عن معمل الذوق تحت عنوان: “الحياة باتت جحيماً، سعال، ربو، وشبح السرطان يدق الأبواب”. كانت صرخة الأهالي بضرورة توقف معمل الموت. تفاصيل الصرخة نفسها يمكن نقلها اليوم، ولكن على لسان الأبناء هذه المرة، من دون أي تغيير يُذكر. حتى إن رئيس البلدية الياس بعينو أكد أن الأمطار في محيط المعمل محملة بمواد سامة كالكبريت، تؤثر بشكل مباشر على صحة الناس وتشكل السبب الأساسي لمرض السرطان، “لا يمكننا إحصاء حالات الوفيات في المنطقة، في كل شارع أو مبنى هناك حالة وفاة بالسرطان… نحن بحاجة إلى عناية إلهية لتعود منطقتنا كما كانت قبل المعمل”، تابع رئيس البلدية.

معمل الجية الحراري

القصة نفسها تتكرر مع معمل الجية الحراري، فالأمراض نفسها والصرخة ذاتها، والوجع أيضاً، وكأن معمل الجية وحده لا يكفي أهالي المنطقة ليموتوا بمرض السرطان. فهناك العديد من المعامل والمقالع. كل هذا يساهم في انبعاث الكثير من الغازات السّامة والهواء الملوث، يتنشقه أهالي إقليم الخروب فيزيد بؤسهم بؤساً.

مصانع الإسمنت في شكا

لطالما كانت مصانع الإسمنت في شكا مادة سجالية بين الأطراف السياسية ووسكان المنطقة، بسبب الاعتداءات المتكررة على البيئة، والأمراض التي تسببها.

صرخات ومناشدات رفعتها الجمعيات الأهلية لرئيس الجمهورية ميشال عون، بضرورة التدخل للحد من التلوث، بعد أن أصبح الموت بمرض السرطان أمراً عادياً في المنطقة، إلى أن وصلت نسبة الوفيات في الكورة بهذا المرض إلى 30%.

والجدير بالذكر أن مصانع الإسمنت هذه تقع على الشاطئ وبالقرب من ينابيع المياه العذبة في البحر وفوق أهم خزان مياه جوفية يغذي العديد من قرى الكورة. كما أنها تتواجد بين البيوت السكنية والقرى الآهلة، وفي منطقة سياحية اشتهرت بجمال شاطئها ومنتجعاتها السياحية، وقرب المدافن. إضافة إلى أن هذه المصانع تخزّن جبالاً من مادة الكلينكر والبتروكوك التي يتطاير منها غبار قاتل ومسرطن تذروه الرياح ليطال من تبقى من الأهالي في القرى المجاورة.

المحارق

أما المحارق فحدث ولا حرج. فهناك أكثر من 900 مكب نفايات في الهواء الطلق في لبنان، منها أكثر من 150 مكباً يتم فيها حرق النفايات بشكل أسبوعي، مئات، لا بل آلاف الإصابات بأمراض مختلفة، من الجلدية إلى الربو والقلب وصولاً إلى السرطان بسبب تلك المحارق، جميعها ارقام جرى توثيقها في تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” قبل نحو عام حول حرق النفايات في لبنان تحت عنوان “كأنك تتنشق موتك: المخاطر الصحية لحرق النفايات في لبنان”، رافعين بذلك الصوت عالياً في وجه الدولة اللبنانية لاتخاذ إجراءات سريعة وجذرية للحد من الكارثة البيئية التي تهدد السكان في المناطق المجاورة للمحارق.

الصعود المخيف للسرطان

إزاء هذا الواقع، هل يمكن مواجهة هذا الصعود المخيف والازدياد السنوي لحالات السرطان؟ هذا الواقع لا يُخفيه رئيس قسم أمراض الدم والسرطان في الجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور ناجي الصغير، إذ يعترف في حديثه لـ”النهار” انه “صحيح هناك ارتفاع في عدد حالات السرطان في العالم كله وهذا ايضا ما نلاحظه في لبنان. قدرّت منظمة الصحة العالمية ازدياداً لحالات السرطان في العالم، وازداد توقع عدد حالات السرطان في لبنان حوالى 17 الف حالة وفق منظمة الصحة العالمية، ولكن من المهم ان نشير الى ان هذا الرقم يشمل ايضاً المرضى غير اللبنانيين او اللبنانين الذين يعيشون في الخارج”.

وفق الصغير “قد يكون العدد الأصح حوالى 12- 13 الف حالة، مع العلم انه كان في العام 2008 حوالى 8000-9000 حالة سنوية. وفي الحقيقة، لن يتمّ حلّ هذا الموضوع واشكالية الأرقام إلا اذا أصبح لدينا سجل وطني دقيق للسرطان. نحن بحاجة الى انشاء دائرة خاصة بسجل السرطان تعمل على جمع كل حالات السرطان في لبنان من كل المختبرات والمستشفيات والأطباء، والأهم من ذلك ذكر كل التفاصيل الطبية المتعلقة بالمريض في هذا السجل (اسمه، نوع السرطان، مدى انتشار السرطان، مرحلة السرطان، علاج السرطان ونتيجته، العادات التي يمارسها المريض، منطقة الولادة والسكن، نوع عمله، عاداته اليومية…) هذا ما تقوم به الدول المتحضرة لإصدار إحصائيات دقيقة وجيدة عن السرطان، وعلينا التماثل بها حتى ننجح في تقصي السرطان بطريقة علمية ودقيقة.

اذاً، نشهد ارتفاعاً ملحوظاً في حالات السرطان في لبنان لا سيما سرطان الرئة، الفم، الحنجرة، المريء، الكلى والمسالك البولية، ويعود سبب زيادة الإصابات الى التدخين، المسبب المباشر، وارتفاع نسبته عند الرجال كما النساء بعد ارتفاع واضح في نسبة المدخنات في لبنان”.

“نحن نعلم جيداً أن المواد الموجودة في الدخان مسرطنة، وعند وصولها الى خلايا الجسم فهي تؤثر على الحامض النووي في خلايا التنفس مثلاً” هذا ما اشار اليه رئيس قسم أمراض الدم والسرطان. ويضيف “وبالرغم من ان جسمنا مجهز بنظام مناعي لتصحيح كل خلل في الجسم لكن المواظبة على التدخين بصورة دائمة يؤدي الى تلف هذه الخلايا وبالتالي نمو الكتلة السرطانية”.

اما السبب الثاني المسؤول عن الإصابة بالسرطان برأي الصغير “يعود الى النظام الغذائي غير السليم، الغريب انه لطالما سمعنا عن غنى الطعام اللبناني الذي يعتبر صحياً وهو يعتمد بالدرجة الاولى على الخضار والفاكهة والحبوب لكننا اليوم نلجأ الى الدهون واللحوم والدهون المشبعة والحلويات والسكاكر التي تؤثر في زيادة مخاطر الإصابة بالسرطان، من دون ان نغفل ايضاً عن مشكلة الخمول والبدانة وقلّة الرياضة التي تزيد من حالات السرطان”.

اذاً، في قراءة تحليلية واستنتاجية للعوامل والمسببات التي تزيد مخاطر الإصابة بالسرطان، يمكن القول ان 20 الى 30% من السرطان سببها التدخين في حين ان 20-30% سببها نظام غذائي غير صحي.

وفي دراسة أسباب زيادة السرطان، أضافت منظمة الصحة العالمية عامل التلوث (البيئي- الصناعي- السيارات- النفايات الطبية والمصانع…). صحيح اننا نفتقر في لبنان الى احصاءات دقيقة للسرطان لكن من الواضح مدى تأثير المواد الصناعية وتحللها في التربة او المياه ومن ثم تناولها بطريقة غير مباشرة من خلال تناول السمك او الخضار أو الفواكه او اللحوم…

من الواضح تأثير التلوث الصناعي على الصحة، فهذه المواد السامة (الرصاص – الأسبستوس- المبيدات-البلاستيك-المواد الكيميائية) تؤذي خلايا الجسم وتؤثر في الحامض النووي حيث تنمو خارج نطاقها الدفاعي لتصبح ورماً سرطانياً سرعان ما ينتشر في مناطق اخرى في الجسم”.

ويضيف الصغير “بالإضافة الى ذلك، وصلت نسبة المدخنين للأسف الى أكثر من 50% من اللبنانين سواء العاملين في القطاع الرسمي والخاص، من سياسيين وأطباء ومدرسين ورجال الدين وممثلين الذين بشكل مباشر او غير مباشر يؤثرون على الصورة النمطية المنقولة للشباب. ليس غريباً ما قامت به
l’union international contre le cancer
بإطلاق شعار
I AM & I WILL.
وهذ ما نحتاج اليه اليوم لنبدأ في مكان ما”.

هذا الشعار يُلخص واقع كل شخص بحسب موقعه، ومفاده وفق ما وصفه الصغير “انا طبيب سرطان وانا سوف استمر بالتوعية والدعوة الى الكشف المبكر بعد سن الأربعين لكل امرأة لاكتشاف السرطان في وقت مبكر والشفاء منه.

كذلك انا طبيب سرطان وانا سوف أستمر بدعوتي لرفع ثمن علبة الدخان الى 20 الف ليرة حتى ينخفض عدد المراهقين والمراهقات الذين يشترون علبة الدخان من مصروفهم اليومي.

انا طبيب اعالج مرضى السرطان وسوف اعمل على ان يكون في كل مستشفى في لبنان فريق عمل متعدد الاختصاصات ومجلس اورام حتى يتمكن كل مريض في الحصول على افضل علاج من خلال المناقشات بين مختلف الاختصاصات لتأمين العلاج الأنسب له.

إذا مضينا بهذا الشعار، انا على يقين ان الخطوة الأولى تبدأ بنشر الوعي والعمل على ارض الواقع، كل في موقعه للوقاية من السرطان والحدّ من انتشاره، أقله في العوامل والمسببات التي يمكن التعامل معها والتحكم بها.

كما ندعو كل شخص ميسور او تعالج من السرطان وامكانياته المادية جيدة بالتبرع وتقديم الدعم الى كل مركز طبي او مستشفى جامعي حتى يستكمل ابحاثه ودراساته عن السرطان والعوامل المؤثرة والعلاجات والخيارات الطبية المتعددة بهدف الوصول الى علاجات أكثر تطوراً علّها تقضي على هذا الخبيث نهائياً. بالإضافة الى العمل على مخصصات في موازنة الدولة لدعم ابحاث السرطان.

هل يمكن الوقاية من السرطان؟

اشكالية كبيرة تفرض قراءة معمقة ومدروسة، إلا انه يمكننا الإجابة على بعض هذه التساؤلات من خلال البحث عن عوامل ومسببات قابلة للحدّ منها والعمل عليها. على سبيل المثال، التوعية أكثر حول اهمية تأمين لقاح “أش بي في” للفتيات والشبان، لأن هذا الفيروس من شانه ان يُسبب التهاباُ في عنق الرحم والذي قد يصبح بعد 20 عاماً سرطاناً. اذاً، يمكن تجنب عدوى فيروس الورم الحليمي البشري من خلال تجنب ممارسة علاقات متعددة وغير آمنة. لذلك اتمنى تأمين هذا اللقاح بسعر مقبول في لبنان حتى تتمكن كل الفئات الإجتماعية من اجرائه”.

كما علينا التشديد أكثر والتوعية حول اهمية الفحص إجراء منظار للقولون لكل شخص، رجل او امرأة، فوق سن الخمسين للتأكد من عدم وجود اي ورم او لحمية قد تتحول الى سرطان على المدى البعيد.السرطان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*