الرئيسية / أضواء على / التفاهمات المتبلورة مع حماس ترسخها كقوة حاكمة على حساب السلطة

التفاهمات المتبلورة مع حماس ترسخها كقوة حاكمة على حساب السلطة

 

ربما توافق إسرائيل على أن ترى الحركة مسؤولة كجهة سياسية إلى جانب النشاطات العسكرية

صحف عبرية
Aug 06, 2018
القدس العربي

كثير من الدخان يخرج مؤخرًا من قطاع غزة والقاهرة والقدس ورام الله. الحديث لا يدور فقط عن دخان الحرائق التي تتسبب بها الطائرات الورقية الحارقة، بل عن ستارة كثيفة من التقديرات والتخمينات بخصوص التفاهمات التي توصلت إليها حماس وإسرائيل ومصر في نهاية الأسبوع. على جدول الأعمال يتم بحث اقتراحين، الأول قدمته مصر، والثاني قدمه مبعوث الأمم المتحدة نيكولاي ميلادينوف. يضع الاقتراح المصري على رأس سلم الأولويات المصالحة الداخلية الفلسطينية بين حماس ومصر، وتبادل أسرى وسجناء، يشمل جثث الجنود، وموافقة على وقف طويل المدى لإطلاق النار. بعد ذلك ستقام حكومة فلسطينية موحدة تعد للانتخابات.
أما اقتراح ميلادينوف فيركز على المجال الاقتصادي ويضع موضوع تبادل الأسرى على رأس سلم الأولويات، وحسب هذا الاقتراح ستسمح إسرائيل بنقل البضائع إلى غزة بمستويات كبيرة، وبتدفق حوالي نصف مليار دولار لتطوير القطاع، وإقامة محطات لتحلية المياه، وزيادة الكهرباء للقطاع ومنح تصاريح عمل كثيرة لسكان قطاع غزة.
هذان الاقتراحان لا يتناقضان في أساسهما، والواحد يكمل الآخر. قيادة حماس تتبنى المبادئ التي توجههما، لكن الصعوبات كالعادة تكمن في التفاصيل. حماس تعارض ضم الاتفاقات الاقتصادية ووقف إطلاق النار إلى تبادل الاسرى والجثث والسجناء الفلسطينيين. بالنسبة لها هذه مواضيع مختلفة تقتضي نقاشًا منفصلًا. موضوع آخر يتعلق بمسألة التمويل، إذ إنه من غير الواضح ما هو مصدر الأموال للتطوير الاقتصادي، وخاصة أن مصر تعارض بأن تقوم قطر بالتمويل. الدول المانحة، ومنها الولايات المتحدة، تستطيع حقًا تجنيد المبلغ، لكن الشرط هو أن تكون هناك حكومة مسؤولة متفق عليها تقوم بتسلم الأموال. الشرط يقتضي التوافق بين فتح وحماس، أو أن تكون مصر هي التي تشرف على سبل استثمار التمويل.
مصر تطلب من السلطة الفلسطينية قبول العرض وتسريع عملية المصالحة، لكن محمود عباس طرح 14 تحفظًا يمكنها أن تفشل تطبيقها. عباس عين مؤخرًا نبيل أبو ردينة نائبًا لرئيس الحكومة. وفي حماس يرون ذلك خطوة تدل على معارضته لتشكيل حكومة وحدة جديدة، وبدون حكومة وحدة لن تكون مصالحة، وبدون مصالحة ستضطر مصر إلى أن تقرر إذا ما كانت سترفع يديها عن السلطة وتتحول بنفسها إلى شريك فعال في الاتفاق. قرار مصر بفتح معبر رفح بدون انتظار موافقة السلطة، يدل على أن مصر مستعدة أيضًا للتقدم في قناة مستقلة إزاء حماس، حتى لو كان تفسير ذلك استمرار القطيعة بين حماس وفتح وخرق اتفاق الرباعية بخصوص تشغيل المعابر.
صمت إسرائيل إزاء تشغيل معبر رفح من قبل مصر، وبحكم أن إسرائيل نفسها تواصل إغلاق معبر كرم أبو سالم حتى هذا الأسبوع، يوضح أن إسرائيل ما زالت متمسكة بشروط الرباعية وإن لم تر في إشراك السلطة في إدارة غزة شرطًا أساسيًا لفتح المعابر أو رفع الحصار.
يبدو أن استمرار الانقسام بين فتح وحماس يخدم إسرائيل التي تستطيع أن توقف علاقتها مع حماس على عتبات تقنية عسكرية بدون إجراء مفاوضات مباشرة معها. وبالتأكيد بدون دفع ثمن سياسي مقابل تنازلات حماس. هذا التقدير يجد تعزيزه أمام التدخل النشط لميلادينوف في المفاوضات الثلاثية، بعد أن عارضت إسرائيل بشدة في الماضي مبادرات وساطة مع حماس (باستثناء موضوع الأسرى)، وكانت من قبل أيضًا عارضت لقاء ممثلين دوليين كبار مع قيادة حماس.
إسرائيل طلبت في السابق أن تكون السلطة هي العنوان الحصري لإدارة شؤون قطاع غزة، لا سيما عندما عرفت أن السلطة لا يمكنها حقًا السيطرة على القطاع. أما الآن فإن إسرائيل لا تقتصر في عملها على تشجع نشاط ميلادينوف، بل تقوم بنقل مواقفها من خلاله.
هذه السياسة تدل على أن إسرائيل توافق على أن ترى في حماس مسؤولة ليس عن كل نشاط عسكري في غزة، بل تراها جهة حاكمة لها صلاحيات مسؤولة عن تطبيق التفاهمات الاقتصادية والإدارية إذا تم التوصل إليها. إذا كان هذا ما سيحدث نتيجة النقاشات، فإن ذلك يمثل انعطافة حقيقية في نظام العلاقات بين إسرائيل وحماس. وحينئذ ستضطر إسرائيل إلى السماح لحماس بإدارة تجارة واسعة النطاق مع منتجين في إسرائيل والضفة، ومنح سكان غزة المزيد من تصاريح العمل الذين سيتم في المقابل حصولهم على أذونات من حماس وأن تعيد تحديد إطار الحصار الذي سيأخذ في التفكك، وستضطرأيضًا إلى قبول إمكانية أن الحكومة الفلسطينية الجديدة التي ستتشكل (إذا شكلت) ستتشكل من حماس والسلطة، وستحظى بالشرعية الدولية.
في الوقت نفسه ستحظى إسرائيل بحليف مهم لإدارة شؤون القطاع على هيئة مصر عبد الفتاح السيسي. مصر التي أملت دائمًا التخلي عن إدارة القطاع، ستجد نفسها غارقة حتى عنقها في إدارة المواجهات مع إسرائيل، وهي التي ترسم وتشرف على تنفيذ التفاهمات مع حماس لصالحها وصالح إسرائيل. بالنسبة لإسرائيل، فإن مشاركة مصر هي نعمة وفرت عليها شن عملية عسكرية واسعة وخطيرة في غزة، لكن سيكون لهذه النعمة ثمن سياسي عندما سيطلب من إسرائيل الاستجابة أيضًا لطلبات مصر في كل ما يتعلق بإدارة قطاع غزة وتطبيق الاتفاقات مع حماس.

تسفي برئيل
هآرتس 5/8/2018

اضف رد