التفاؤل وصناعة اليأس!

من أين جاء رياض سلامة بكل هذا الجأش والظرف، ليبدأ كلامه في المؤتمر المصرفي العربي، الذي عقده إتحاد المصارف العربية في بيروت، بالقول:  

“أولاً أريد ان أعتذر منكم لأنني لا أزال متفائلاً. في لبنان صناعة لليأس عمرها أعوام وهي تحاول ان تهدّ الإقتصاد اللبناني والإستقرار النقدي ولكن هذه المحاولات فشلت، ونحن على أبواب حملة جديدة تؤكد من حيث المعطيات، ان حملة التيئيس الجديدة ستفشل”.

ليست مسألة رهان متفائل، إنها الوقائع والأرقام، ولهذا يبدو الكلام إعجازياً سواء لجهة السخرية الضمنية المهذبة جداً من أوركسترا التيئيس والتبشير بخراب لبنان، أم لجهة التأكيد مرة أخرى، ان الإستقرار النقدي والإقتصادي سيكون بخير، وسواء لجهة دحض الموجة الجديدة من صناعة اليأس، التي قد تكون لامست حدود التساؤل عند المصرفيين العرب، فاقتضى الأمر الذهاب الى الإعتذار عن تأكيد جديد للثقة بالتفاؤل، مع إبتسامة ثقة مدوية!

كان الكلام بارعاً ومؤثراً وهو يصدر عن حاكم المصرف المركزي في لبنان الغارق في حملات التشكيك والتيئيس، لكنني لا أعتقد ولا يصدّق أي عاقل في الدنيا، ان إتحاد المصارف العربية الذي يعرف الوضع جيداً، كان يمكن ان يكرّم سلامة وان يختاره “محافظ العام ٢٠١٩”، لو كان ربع ما يقال في حملات التشويش والتيئيس صحيحاً، فالتكريم يكون بطبيعة الحال للناجح والناجحين.

وعندما يقول سلامة في السياق “إن القطاع المصرفي اللبناني ليس محايداً في صناعة الإنقاذ، وسيبقى ملتزماً دوره في مساندة الدولة كخيار إستراتيجي لم نفرّط به في أصعب الظروف”، فإن ذلك يكون بمثابة صوت صارخ في الداخل والخارج، لكي تتهاوى حملات التيئيس والتشكيك التي تعمل لتدمير الثقة بلبنان وبإقتصاده ومستقبله.

الرئيس الحريري بدوره كان قد تجاوز حدود العنعنات، بالتأكيد ان ما يهمه ثلاثة أمور: أن يحصل الإصلاح وأن نخرج من قوانين الخمسينات، وأن لا مشكلة في من يحصد النتائج بالقول… وأنا ابن جلاّ وطلاّع الثنايا!

الحريري تعمّد التذكير بأن المصارف قامت بدورها بعد مؤتمر “باريس – ٢” واعطت الدولة عشرة آلاف مليارات بفائدة ٠،٢ في المئة لدعم الإصلاحات التي لم تحصل، ورغم هذا لن تقصّر الآن في دعم المروحة الإصلاحية دعماً للموازنة، وهذا أيضاً ما يسقط الدوي الذي تثيره أوركسترا سياسية وحزبية معروفة، لا يهمها الإصلاح بمقدار ما يهمها ضرب النظام، رغم السقوط المدوي لقواعد الأنظمة البديلة وهو ما ثبت في دول كثيرة. وعندما يكرر الحريري تهنئته لسلامة ويقول له “أعانك الله”، فلكي تسمع جوقة الندابين، التي تحاول دائماً تحميله والمصارف مسؤولية الأزمة، التي نجمت عملياًَ عن فساد السياسيين والحزبين ودولة أكلة الجبنة، التي صنعت قطاعاً عاماً يتسابق على حلب الدولة، وعند الأزمة يبدأ اللوم للقطاع الخاص الذي عوّم الدولة مراراّ، لهذا علينا ان نصنع دولة تتحمل مسؤولية الدول وترسي قطاعاً عاماً لا يحتاج إلى دعم القطاع الخاص بحجج لم تعد تنطلي حتى على الماركسيين.

ختاماً عندما تأتي مصارف٢٠ دولة عربية، لتكرم رياض سلامه الآن في هذه المرحلة الدقيقة، على الذين يحاولون الطعن في مصرف لبنان ان يخجلوا ويغرقوا في عرقهم.

rajeh.khoury@annahar.com.lb – Twitter:@khouryrajeh

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*