التغيير الديموغرافي “يرتكبه” الشركاء في الوطن

ربما سيقتنع كثيرون بأن الوزير جبران باسيل “معو كل الحق” في أن يتشدّد مسيحياً، ما إن يطلعوا على الحقائق الديموغرافية التي تؤكد وقائعها أن المواطنة غير متوافرة لدى اللبنانيين، وأن المسلمين في صراعاتهم السنيّة – الشيعيّة، التي لا يمكن أحدا إنكارها، ولا مصلحة لأحد في اشعالها، يضربون معاً صيغة التعايش المسيحي – الإسلامي، والتعدّد، والتنوّع، نحو إلغاء دور المسيحيّين في ما يناقض خطابهم المعلن في المحافظة على المسيحيين. فهم يريدونهم أهل ذمّة، أو ورقة للاستخدام السياسي والدعائي أمام العالم.

في قراءة للديموغرافيا اللبنانية، لا يتحمّل المسيحيّون عبء التناقص بسبب قلّة الولادات والهجرة في صفوفهم، فهم يشكّلون إلى اليوم نسبة 35 في المئة رغم موجات التجنيس التي حاولت الانتقاص منهم. وأرقام مرسوم التجنيس الشهير في عهد الرئيس الياس الهراوي، والذي لا تنفع معه تبريرات وزير الداخلية آنذاك بشاره مرهج في كتابه الأخير، خير دليل على الخطّة التي كانت مرسومة آنذاك لإضعافهم. وإذا كان مرهج يُدافع عن حقوق كثيرين منهم في الحصول على الجنسيّة، أو استردادها- وهو دفاع مُحقّ- فإنّه لم يشرح أسباب توزيع هؤلاء على قرى وبلدات مسيحيّة وفي مناطق ذات غالبية مسيحيّة.

في الحقوق الاساسية، ثمّة حق في الجنسيّة معتمد في كل أنحاء العالم، وثمّة حقوق للمرأة في أن تمنح الجنسيّة لأبنائها كما في معظم دول العالم المتحضّر، ورفض المبدأ يجعلنا في تناقض مباشر بين الحضارة التي ندّعيها وتطبيقها السيّئ. لكن من ناحية أخرى، فإن تسجيل هؤلاء يجب أن يتمّ في السجل المُخصّص للعائلة أو أحد أفرادها، وليس أن “يزرعوا” في أماكن ذات نفع انتخابي، وضغط سياسي. فتوزيع المجنّسين، بناء على رغبة أطراف داخليّة سنيّة، وبرعاية الوصاية السورية، وضع ثقله في المناطق الأكثر معارضة لتلك الوصاية لفرض واقع جديد عليها، بدأت تداعياته الكارثية تظهر حاليّاً.

في المقابل، وجد الشيعة أن لا موطئ قدم لهم فاعلاً في المدن الكبرى، وتحديداً في العاصمة بيروت، فعملوا على نقل النفوس من مناطق الجنوب وبعلبك – الهرمل، حيث لديهم فائض كبير ولا منافس حقيقيّاً لهم. وهكذا تضاعف عدد الشيعة في بيروت أوّلاً، ثم في مناطق أخرى مسيحيّة أبرزها زحلة، والمتن، وبعبدا، حيث صار هؤلاء قوّة وازنة في مواجهة السنة أوّلاً، لكنهم بطريقة أو أخرى، هدفوا أيضاً إلى محاصرة المسيحيّين ولو كانوا حلفاء لهم.

هكذا بات المسيحيون يعانون الحصار، وشعر السنّة بأنهم وقعوا في فخ ما أقدموا عليه سابقاً، والتغيير الديموغرافي لم يعد يرتبط بعدد الولادات والزيادات السكّانية، بل بهذا الخليط المفتعل الذي ستظهر نتائجه في الانتخابات النيابيّة، مرّة بعد مرّة، خصوصاً في ظل القانون الحالي، الذي قد ينعكس على واضعيه فيطيحهم قبل غيرهم، أو يأسرهم بـ”الصوت التفضيلي”.

وبعد، أي مستقبل للبلد في عزّ الصراع السُنّي – الشيعي، الذي لا يقيم وزناً لأي مواطنة حقّة؟

ghassan.hajjar@annahar.com.lb – Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*