الرئيسية / home slide / التعليقات والتوقعات سلبية… لماذا؟

التعليقات والتوقعات سلبية… لماذا؟

18-03-2022 | 00:40 المصدر: “النهار”

مروان اسكندر

طوابير سيارات أمام محطات البنزين (تعبيرية- مارك فياض).

تسلّح اللبنانيون بالتفاؤل للنجاح في تطوير اقتصادهم، وهم نجحوا في سباق معظم الدول المحيطة بنا أو القريبة من موقعنا في العالم العربي.

ففي معدلات النمو سبق اللبنانيون سوريا والعراق واسرائيل حتى عام 1988 حينما عانى الإسرائيليون من ازمة مصرفية كبيرة ومعدلات تضخم تتجاوز النِّسب المقبولة، فلجأوا الى التعاقد مع اقتصادي اميركي متميز يُدعى ستانلي فيشر لتسلّم دفة البنك المركزي، وأول ما فعله كان اقرار سياسات ساهمت تدريجا في كبح التضخم واستقرار معدلات النمو، فاستعادت اسرائيل دورًا كانت مهيأة له، اي دور الدولة المشاركة في الثورة المعلوماتية سواء على صعيد الانظمة او انتاج ادوات تطبيق برامج المعلوماتية. ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين اصبحت صادرات اسرائيل من برامج المعلوماتية ومنتجات الانظمة الانتاجية المستندة الى برامج الكترونية تحتل ثالث مركز على مستوى اسواق المال العالمية، وكانت كل من الولايات المتحدة وكندا تسبق اسرائيل في عدد الشركات التعليمية في عالم المعلوماتية.

بعد ست سنوات من عمل تثبيت العملة وزيادة الاستثمار في الشركات الحديثة، عاد البروفسور فيشر الى التعليم في الولايات المتحدة، وبدأت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية تحتل مواقع متقدمة في صناعات السيارات وتصدير المنتجات الالكترونية، ولم تنقضِ على تعاظم دور اليابان وكوريا الجنوبية سنوات حتى كانت الصين اصبحت العملاق الجديد في هذا العالم والذي تقدر خبيرة اميركية في برامج المعلوماتية ان تشكّل الصناعات الالكترونية والبرامج نسبة 50% من الانتاج العالمي بحلول العام 2030.

في المقابل، شاهدنا بلدانا مثل سنغافورة وماليزيا تحققان معدلات نمو مذهلة، وحينما زار لبنان الزعيم الماليزي الذي اطلق نهضة بلاده، أتيح لي مع اقتصادي آخر مناقشة الرئيس الماليزي في جلسة تلفزيونية استغرقت ساعتين، وكان الضيف مدعوًا بتاريخه عام 1994 من قِبل الرئيس رفيق الحريري، وطرحنا عليه السؤال:

هل يرى ان الرئيس الحريري سيحقق ما قدِر هو على تحقيقه في ماليزيا؟

اجاب: بالتأكيد لن يستطيع ذلك مع تمتعه بالرغبة في ارتفاع معدلات النمو وتنوع النشاطات بما فيها نشاطات قطاع الخدمات ولا سيما منها الرعاية الصحية، والسياحية والتعليمية، ولديكم كل المقومات، لكن طبقتكم السياسية نفعية في المقام الاول وهذه العقلية تخالف استهدافات النمو.

كان معدل الدخل الفردي في لبنان حينئذٍ يتجاوز معدل الدخل الفردي في ماليزيا، واليوم معدل الدخل الفردي في لبنان يقل عن الف دولار سنويًا، في حين ان معدل الدخل الفردي في ماليزيا يتجاوز الـ 30 الف دولار.

قال ضيف لبنان أثناء مناقشته: مشكلتكم في لبنان ان اشقاء كبار الموظفين وحتى الوزراء هم رهن التجاذبات السياسية، ورغم توجهات الرئيس الحريري الانمائية إلا انه لن يستطيع ذلك لان فريقه الاساسي في تسيير الحكم بعيد عن الاهتمام بالمنافع المهمة بسبب طلبات الطوائف الطاغية على الساحة السياسية.

ماليزيا اليوم، وبعد معاناة ازمة مالية اواخر التسعينات، اصبحت من بين الدول المتقدمة والمتجاوزة للاعتبارات الطائفية. ويمكن الاشارة الى نجاحها بالاستناد الى شخصية حاكمها حينذاك الذي خسر الحكم لسنوات ثم استعاد السلطة لاحقا.

ان النفَس الذي ساد ماليزيا هو الاقتناع بان اهل البلد قادرون على اتقان صناعات الكترونية والمحافظة على مستويات نظافة فريدة، وقادرون ايضا على تطوير الجامعات وتحقيق الاختراعات في نطاق الادوية لامراض تحتاج الى معالجات طبية متقدمة.

اين نحن الآن من مستوجبات النمو وتحقيق التناغم مع التطورات العالمية على صعيد الخدمات والتجهيزات وحسن انتقاء الوزراء والمسؤولين؟ لسوء الحظ لا تزال ممارسات كبار المسؤولين مشابهة لما شهدناه بعد توقف الحرب في لبنان عام 1990، اي تقاسم السيطرة على نشاطات مجدية وتحويل بعضها الى مراكز لاستيعاب المحازبين.

أعداد موظفي الدولة التي تشكو من عدم الدقة والمقارنة بين مستويات المتعاقدين والموظفين، توحي بان العدد يتجاوز الـ 350 الفًا، اي ما يعادل نسبة 30% من أعداد القوى العاملة في لبنان، وهذا العدد الضخم الذي استوعب 13 الف موظف عام 2013 اضافوا الى اعباء القطاع العام كلفة توازي 5 مليارات دولار، وكان رئيس الوزراء حينذاك الرئيس نجيب ميقاتي حاليًا، ووزارة الاتصالات فتحت ابوابها لتعيين 7000 موظف واستأجرت مباني فارغة بكلفة 10 ملايين دولار على مدى سنتين، والوزارات التي تعاقبت خلال هذا العهد لم تتمكن من وضع خطة مقنعة لتجاوز الازمة التي تآكلت آمال اللبنانيين ودفعت، ولا تزال، شبابنا وشاباتنا الى السعي للهجرة، واصبحت التعليقات تتركز على كبح الاضرار بدل احراز خطوات اصلاحية في كل مجال، واهم هذه الكهرباء التي تسلّم شؤونها “التيار الوطني الحر” منذ 22 سنة ولم يحقق زيادة 10 ميغاواط من الانتاج، وسمح بانتشار المولدات الخاصة 1600 ميغاواط وابتزاز العائلات باشتراكات تتعاظم، وكل ذلك يحدث وكان بامكاننا تجهيز لبنان بـ 3000 ميغاواط منذ عام 2013 واعادة تجهيز المصفاتين في الزهراني وطرابلس لانتاج خمسة ملايين طن من المشتقات.

الكلمات الدالةالانهيار الاقتصادي في لبنانالأزمة المعيشية