التعامل مع حزب الله كمعضلة تواجه التغيير في لبنان

 زياد ماجد 
القدس العربي
01122019

تصطدم الانتفاضة الشعبية اللبنانية، بعد أن أسقطت الحكومة وحاصرت مجلس النواب ورئيس الجمهورية وأطلقت تحوّلات ثقافية ومجتمعية ستتواصل تفاعلاتها لسنوات طويلة، بمعضلة سياسية كبرى يمثّلها اليوم كيان حزب الله وسبل التعامل معه.

فالأخير، ولَو أنه في مأزق داخلي لم يعرف له شبيهاً منذ العام 1992، ما زال مصدر قوة السلطة الرئيسية والجدار الفعلي الحائل دون انهيارها. وهو فوق ذلك الفاعل الأكثر قدرة وجاهزية على ربط مسار الأمور في البلد بالمسارات الصراعية في المنطقة، وفتحها بالتالي على السياسة الإيرانية واستراتيجياتها.

ويمكن لتفسير ذلك، البحث في ما يمثّله الحزب في المعادلتين اللبنانية والإقليمية الراهنة انطلاقاً من ثلاث ديناميات.

الأولى، ترتبط بكونه رأس حربة الثورة المضادة. فهو الطرف الوحيد القادر – بالتعاون مع حركة أمل – على حشد جمهور بمواجهة جمهور الانتفاضة، أو تغطية شبّان يتحرّكون بقوافل منظّمة للاعتداء عليه. وهو الوحيد القادر أيضاً على الدفع نحو تعبئة ضد الانتفاضة إيّاها من منطلقات طائفية بهدف إحداث فرزٍ اعتاد التعامل معه، يشبه الفرز الذي عرفه اللبنانيون بعد تطوّرات العام 2005 وتداعياتها (أي ما سُمّي بـ8 و14 آذار). وإذا كان خصومه الطائفيون يتوقون مثله للعودة إلى هكذا فرز يحرّرهم من حصار الانتفاضة لهم ولخطابهم، إلّا أنه يتفوّق عليهم في “الشارع” الذي همّشهم في معظم المناطق التي احتكروا في العقدين الأخيرين تمثيلها.

وليس أكثر “صدقاً” من هتاف “شيعة، شيعة” الذي يطلقه المعتدون على الاعتصامات والمظاهرات الشعبية السلمية للدلالة على تلبيس حزب الله ثورته المضادة لبوساً مذهبياً بهدف فرض شرخٍ في الشارع لم تُتِح له شعاراتُ الانتفاضة وممارساتها وفاعلياتها الثورية التحريض عليه أو الاستشهاد به في جهده التعبوي ضدّها. ولا يعدّل من الأمر كون أغلبية راكبي الدراجات النارية، أصحاب الحميّة المذهبية وهتافها المذكور، أقرب إلى بيئة حركة أمل منهم إلى بيئة الحزب المباشرة، ذلك أنهم لا يستظلّون بغيره للخروج إلى الساحات والهجوم على من يرون في ثورتهم خطراً على كيانيةٍ أو خصوصيةٍ أو فائضِ قوّةٍ يعدّون حزب الله قد حصّلها لـ”شيعيّتهم” في العقود الأخيرة.

الدينامية الثانية، تتعلّق بالمعطى الخاص بسلاح حزب الله الذي تجنّب معظم المنتفضين والمنتفضات الإشارة إليه. فالمعطى هذا يوفّر له كلّ ما أُثيرت شؤونه وشجونه الحجةَ للقول باستهداف دوره “المقاوم”، ثم اجترار خطابه حول المؤامرات والمشاريع الخبيثة، وهو ما لم ينجح في تمريره هذه المرة رغم لازمات التخوين والإشارات إلى السفارات والتمويل الأجنبي وسواها من عّدة التحريض المعتادة. على أن تجنّب مسألة السلاح، على وجاهته في هذه المرحلة لاستحالة الوصول إلى حلّ له من ناحية، ولمنع تحوّله إلى مادة استقطاب أساسية بما يفيد الحزب وبعض خصومه–شركائه في السلطة من ناحية ثانية، سيصعب الاستمرار به مع الوقت. ذلك أنه كلّ ما تبلورت برامج سياسية للمجموعات المنبثقة من الانتفاضة حول قضية الدولة المنشود بناؤها وحول سيادتها وصنع القرارات الكبرى فيها، أو كلّ ما زاد حزب الله نفسه من جرعات التهديد والاعتداء على المنتفضين التي تغطيّها قدرته الترهيبية المتأتية بشكل أساسي من كونه مسلّحاً، كلّ ما صار طرح الموضوع بداهةً وضرورةً يصعب القفز فوقهما.

أما الدينامية الثالثة لتفسير المعضلة التي يفرضها الحزب فهي تلك التي بوسعها ربط لبنان باستراتيجية إيرانية ترى في كلّ ما يجري في المنطقة حالياً من انتفاضات شعبية مجرّد جهود لتقويض نفوذها ينبغي الردّ عليها بعنف كي لا تتواصل او تتمدّد أو تصبح عنصر ضغط “داخلي” يرافق العقوبات الأمريكية والغربية الخارجية. وحزب الله في هذا الإطار هو حجر الأساس في معظم مقاربات طهران الإقليمية. فهو الحزب الوحيد بين الأحزاب العربية الموالية لها المتمتّع بشعبية حقيقية، ولَو متراجعة، نظراً لتاريخ قتاله إسرائيل. وهو أوّل من اندفع بطلبٍ منها للحرب دفاعاً عن “مصالحها” في سوريا عند اندلاع ثورتها. وهو بنظرها الوحيد القادر على لجم أي مسار تغيير في لبنان يفكّ ارتباطه عن سياساتها أو يحدّ من قدرتها على اعتماده ساحةَ تمدّدٍ وتصفية حسابات وتماس مع البحر المتوسّط ومع “حدود” إسرائيل المباشرة.

والأرجح أن الحاجة الإيرانية لحزب الله ستزداد كلما تعاظم تحدّي سطوتها في العراق، كما يحصل منذ أسابيع مع انتفاضات النجف وكربلاء والناصرية والبصرة وبغداد وغيرها من المدن (ذات الأكثريات الديموغرافية الشيعية) التي ظنّت إيران أنها طوّعتها أو جعلتها احتياطياً بشرياً لحروبها ولسعة نفوذها. بهذا المعنى، تتقلّص هوامش استقلالية حزب الله عن طهران التي كانت قائمة في ما خصّ إدارته للمسائل اللبنانية كلّ ما ازداد توجّس الجمهورية الإسلامية تجاه تطوّرات “الإقليم”، حتى ولو بدا جليّاً للحزب ولقيادته أن ما من قوّة خارجية مؤثّرة فعلياً في الانتفاضة الشعبية في لبنان، وأن الكثير من قِيم الأخيرة (لجهة مركزية الحكي عن الفساد والزبائنية ولجهة نسويّة الشعارات وجذرية القول في العدالة الاجتماعية وإجهار العلمنة وسواها) هي على النقيض تماماً ممّا يمكن لأعداء إيران الإقليميين (السعودية مثالاً) القبول به أو رعايته أو حتى البحث عن توظيفه في مقارباتهم.

لكلّ ذلك، يبدو الوضع اللبناني مقبلاً على المزيد من الاحتدام. وحتى لو انتقل حزب الله بوصفه العامود الفقري للسلطة من سياسة الثورة المضادة إلى سياسة الرهان على انهيار اقتصادي – مالي يُخرج قسماً كبيراً من جمهور الانتفاضة من الشارع أو يُحدث عنفاً اجتماعياً يسمح بتدابير عاجلة تتيح بدورها وأد الإصلاح السياسي وعرقلة التغيير في الثقافة السياسية الذي أطلقه المنتفضون والمنتفضات في 17 تشرين الأول/أكتوبر الفائت، فإنه لن ينجوَ من تصنيفٍ لبنانيٍ له آخذ في الاتساع. تصنيف يعدّه معضلة لبنان الكبرى، التي لا يتمّ النظر إليها من منطلقات طائفية أو مذهبية نقيضة هذه المرة، ولا بسبب تحالفات خارجية سعودية أو غربيّة مضادة لتحالفه الإيراني، بل بسبب استبساله في الدفاع عن نظام الطائفية والفساد اللبناني، وبسبب قدراته على تحويل هذا الدفاع إلى ثورة مضادة وإلى ركيزة من ركائز سياسات القمع الإيرانية لانتفاضات شعبية مختلفة الأسباب والدوافع، ولَو أن أهدافها متماثلة: العيش بحرّية وكرامة وعدالة من العراق وسوريا، إلى لبنان…

*كاتب وأكاديمي لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*