الرئيسية / home slide / التشكيلي نزار صابور من معرضه في دمشق : محاولات لفهم ما يعيشه السوريون اليوم

التشكيلي نزار صابور من معرضه في دمشق : محاولات لفهم ما يعيشه السوريون اليوم

 زينة شهلا
 القدس العربي
25032021

من اللون الأبيض الهادئ، إلى الأحمر والأزرق اللذين يوحيان بمشاعر وأحاسيس عميقة، وصولاً للأسود الحاد بحزنه وألمه، ينقلنا الفنان السوري نزار صابور في آخر معارضه في العاصمة السورية دمشق، الذي حمل عنوان «أنا في سوريا» وافتتح منتصف هذا الشهر، بين الحب والحياة والموت والخراب والدمار، في محاولات لتفسير وفهم العديد من التجارب التي عاشها السوريون خلال السنوات الأخيرة، وانعكست بدون شك على تفاصيل حياتهم وواقعهم وبلدهم.
من خلال تسع وخمسين لوحة صغيرة مربعة موحدة القياس، ومعها لوحة واحدة كبيرة مختلفة، عرض صابور حصيلة عمل بدأ منذ حوالي عامين، وتبلور خلال الأشهر الأخيرة، ضمن ست مجموعات متجانسة، هي «محاولات لتفسير الحب»، «محاولات لتفسير الحرائق»، «محاولات لتفسير الخراب»، «محاولات محاولات»، «أيقونات معاصرة»، «مدن ومزارات».
«هي محاولات لن تنتهي، لتفسير واقع بات عصياً على فهمنا جميعاً، ولا يبدو أن أحداً منا يعرف حقاً ما الذي يجري اليوم هنا، في سوريا، حيث نعيش»، يقول الفنان في حوار مع «القدس العربي»، أثناء المعرض الذي تستضيفه صالة «زوايا» للفنون على مدار عشرة أيام.

«ضاقت علينا بلاد الله بما رحبت»

ضمن المجموعة الأولى، نرى ثماني لوحات تحت عنوان «محاولات لتفسير الحب»، ويعتمد بعضها على مشاهد حب قد يعرفها أغلبنا وتعيش في ذاكرتنا الجمعية المتراكمة. في إحداها، يستلقي مجنون ليلى ويبدو عليه التعب الشديد، وفي أخرى يتعانق مع محبوبته ليلى، أو ربما يحلم بذلك، وتزين بعضها أبيات شعر مثل ذاك الذي يقول فيه قيس بن الملوح: «إليك عني إني هائم وصبّ، أما ترى الجسم وقد أودى به العطب»، أو «ضاقت عليّ بلاد الله بما رحبت، يا للرجال فهل في الأرض مضطرب»، ولكأنه يتكلم بحال كثير من السوريين اليوم.
وضمن المجموعة الثانية، وهي الأحدث واسمها «محاولات محاولات»، نرى تعبيرات مختلفة وبألوان متباينة جداً، بعضها عن الحب وأخرى عن المكان، وثالثة نعاين فيها صحوناً فيها بضع حبات من الزيتون، وهي ذاتها نلمحها أمام سرير العاشقين في المجموعة الأولى. وعن هذه الصحون يتحدث صابور بالقول: «وسط المعارك السورية فكرت بما يمكن أن يربط جميع السوريين، من مختلف المذاهب والأديان والخلفيات والطبقات الاجتماعية، فوجدت بأنه صحن الزيتون. من منا لا يضع هذا الصحن على طاولة الفطور الصباحي؟ بذلك بدأت منذ سنوات بالعمل على لوحات متنوعة الأحجام والألوان، ويظهر فيها صحن الزيتون بأشكال مختلفة».
المجموعة الثالثة، «أيقونات معاصرة»، تضم ست لوحات بألوان نارية على الأغلب، وفيها محاكاة لمفاهيم مختلفة للأيقونات، خاصة تلك التي يتميز بها الفن السوري القديم، وفيها حالة عميقة من الروحانية.
وفي المجموعة الرابعة، وهي «المدن والمزارات»، وما زلنا ضمن الجو الروحاني، نرى مجموعة أمكنة مختلفة، يوحدها وجود المزارات فيها، كما نرى في معظمها خطوطاً مستقيمة وسلالم وأبراجاً ونوافذ، تسعى للوصول لهدف محدد وهو الشجرة، التي ترمز للحياة المتجددة. يقول عنها الفنان: «لاحظت في الفترة الأخيرة حضوراً أكثر كثافة للمزارات في حياة السوريين، وأرغب بالقول إن علينا أن نخلق توازناً بين السماء والأرض، فلا يكفي أن نعيش في العالم العلوي فقط، بل علينا أن نهتم بالأرض التي خلقنا عليها وأن نجعلها أفضل ما يكون، وأن نولي بالاً أكثر للطبيعة، ولبعضنا بعضا».

حرائق ودمار

المجموعتان الأكثر قسوة وحزناً ضمن معرض «أنا في سوريا»، هما اللتان تتحدثان عن الحرائق والخراب، بشكل بصري ولوني معبر للغاية. ضمن مجموعة «محاولات لتفسير الحرائق»، تصطف أربع عشرة لوحة، تغلب عليها ألوان الأسود والبرتقالي والأصفر، ولا مهرب عند التمعن فيها من الإحساس بحرارة النيران المتدفقة منها، وبمرارة ما تتركه خلفها من رماد وسواد، خاصة مع استخدام الفنان بكثافة لواحدة من المواد الطبيعية المفضلة بالنسبة إليه، وهي بقايا عصر الزيتون، وتوظيفها بشكل نافر يضفي على اللوحات عمقاً وظلالاً تخدم الفكرة.
هل هي حرائق محددة؟ أم تعبير عام عن كل ما أصاب سوريا في السنوات العشر الأخيرة؟ يقول الفنان إنه أراد تقديم الحرائق السورية، خاصة التي حدثت في العامين الأخيرين وكانت مهيمنة لفترة من الفترات على المشهد في البلاد، بشكل بصري وغير مباشر، كما يحب عادة في أعماله.
أما مجموعة «محاولات لتفسير الخراب»، فهي الأقل عدداً إذ تضم ثلاث لوحات فقط، تتضح فيها ملامح مدن دمرتها الحرب، وفي منتصف كل منها شكل هندسي هو دائرة أو مثلث أو مربع، كتعبير عن عودة هذه المدن، بعد كل ما شهدته، إلى حالة بدائية تشبه حالة تلك الأشكال الهندسية الصماء. «عند عملي على هذه المجموعة استعنت بكثير من الصور التي انتشرت عن سوريا في السنوات الماضية، وحقيقة لم أتمكن من إنجاز سوى هذه اللوحات الثلاث، وبعدها شعرتُ بأن الفكرة اكتملت، أو بأنني ما عدت قادراً على رسم المزيد عن هذا الموضوع، فهو متعب واستنزفني كثيراً، كما أنه رغم قساوته واضح جداً للعيان، فما الذي سأحتاج بعد لتفسيره؟»، يقول صابور.

المدينة تحضن كل شيء

وفي غرفة مستقلة، تقف اللوحة الأخيرة في المعرض، وهي أكبر اللوحات المعروضة، وكأنها الشاهدة على كل ذلك، أي الحب والخراب والحرائق والروحانية، أو الحاضنة له. هي صورة معممة للمدينة التي تشبه كثيراً من المدن السورية والشرقية. لا نظام فيها، ونرى الكثير من الإسمنت، والقليل القليل من اللون الأخضر، حتى إننا إن أمعنا النظر لن نلمح سوى شجرة واحدة يميل لونها للسواد بسبب التلوث. تظللها سماء مكفهرة اللون، وغيوم زرقاء لا نعرف إن كانت ستأتي بالمطر أو لا، ونحن نعيش مواسم جفاف مؤخراً. «حاولت أن أعكس ضمن سماء هذه المدينة، التي قد تكون دمشق أو بيروت أو اللاذقية أو أي مدينة شرقية أخرى، أحوالنا النفسية الصعبة»، يقول الفنان ويضيف في ختام حديثه: «وفي المعرض ككل، حاولت الحديث عن الكآبة التي نعيشها اليوم في سوريا، وكذلك عن بقية الأمل الذي ما زلنا نحاول التمسك به، والاستمرار بتقديم ما لدينا، فالفنون في نهاية المطاف هي صانعة آمال، آمال بحياة أجمل، وأشخاص أجمل، وسياسة أجمل».