الرئيسية / مقالات / التشكيلات القضائية… بانتظار الرئيس المقبل!

التشكيلات القضائية… بانتظار الرئيس المقبل!

ملاك عقيل – الثلاثاء 19 أيار 2020
https://www.asasmedia.com/news/386143

مبدئياً، يمكن التسليم بأن مرسوم التشكيلات القضائية الذي أصدره مجلس القضاء الأعلى في شباط الفائت كأنّه لم يكن. مسارٌ من شدّ الحبال السياسي وانقسام قضائي فاقع حيال مرسوم “فرّخ” ليصبح مرسومين، ورَفَع المتاريس بين عدّة جبهات ليقود كل ذلك إلى تطيير التشكيلات من أساسها بعد “تنييمها” في أدراج مكتب رئيس الجمهورية، فيما أقرب موعد الى فتح الملف مجدداً هو بداية العام المقبل!

يسترجع عدد كبير من القضاة اليوم “حكاية” تجميد وزير الجمهورية الأسبق أميل لحود مرسوم التشكيلات القضائية عام 2006 الذي أصدره آنذاك مجلس القضاء الأعلى برئاسة القاضي أنطوان خير، على أيّام وزير العدل  شارل رزق. فبعدما نال المرسوم توقيع رئيـس الحكومة فؤاد السنيورة ووزير المال جهـاد أزعـور، أوقفـه بداية وزيـر الدفاع الياس المر، وبعد توقيعه عليه وضعه لحــود فــي الأدراج متسلّحاً بواقع أنّه غير ملزم بالتوقيـع علـى المرسـوم طالما أنّه ليس مرسـوماً عادياً يصدر عـن مجلـس الـوزراء وتسري عليه، في حال التمنّع عن التوقيع، مهلة 15 يوماً ليصبح نافذاً.

أسباب ممانعة لحود آنذاك تشبه كثيراً حيثيات رفض عون توقيع مرسوم التشكيلات اليوم لناحية “رفض تحجيم قضاة محسوبين على الرئاسة الأولى” وإلحاق الظلم ببعضهم والقفز فوق رأي رئيس الجمهورية في أسماء أساسية.

وما لم يفعله عون اليوم أقدم عليه لحود يومها بإصـدار بيـان اتّهم وزير العدل بالتدخّل لفـرض أسماء على مجلس القضاء الأعلى. أما في الحالة الراهنة، فوزيرتا العدل والدفاع وقفتا سدّاً أخّر وصول المرسوم إلى بعبدا لتنحصر المواجهة في “النهائيات” بين الرئيس ميشال عون ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود.

 موقف “الريّس” خير يومها يشبه تماماً موقف “الريّس عبود”. إذ لم يتردّد الأول بإصدار بيان اعتبر أنّ  “المجلس هو صاحب الصلاحية بوضع المعاييـر للتشكيلات”، فيما لم يتردّد القاضي عبود بردّ تهمة التبعية السياسية التي وجّهتها إليه وزيرة العدل علناً طالباً منها “إعطاء التشكيلات القضائية مسارها القانوني وتوقيعها وإحالتها على المراجع المختصّة”!

 تجميد لحود للمرسـوم فـي تشـرين الأول 2006 قاد إلى تعطيل التشكيلات حتى آذار 2009 بعيد انتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، فكانت النتيجة تسلّل “الهريان” إلى الجسم القضائي، وتجاوز عدد القضاة المتخرّجين وغير المعيّنين أكثر من 100، وإحالة آخرين الى التقاعد…

لا تذهب المخيلة اليوم إلى حدّ توقع السيناريو نفسه… أي انتظار الرئيس المقبل! على رغم الأزمات العاصفة التي تضرب الداخل اللبناني، إلا أنّ المناخات السياسية تختلف جذرياً عن مرحلة كان يمكن فيها تجميد التشكيلات نحو عامين ونصف.

لولا أزمة كورونا لكان يمكن توقع إنعاش المرسوم وإيقاظه من الـ “كوما” في تموز المقبل موعد تخرّج دفعة من القضاة الجدد، إلا أن التسونامي الوبائي سيقود بأفضل الأحوال إلى ترحيل الملف حتّى بداية العام المقبل.

في هذه الأثناء التشكيلات ستدخل في سبات عميق إلا في حال تحرّك الشارع كما حصل أمس  أمام قصر العدل ويتوقّع تكراره اليوم، أو إذا عمد مجلس القضاء الأعلى الى قلب الطاولة وهذا أمرٌ مستبعد مع تسليم شريحة من القضاة بأنّ مرسوم التشكيلات يحتاج فعلاً الى “نفضة” لرفع الظلم عن بعض القضاة أو تكريس وحدة المعايير بشكل عادل.  

يتّكئ عون اليوم على الاجتهاد الاداري بعد “الطائف” الذي يفرّق بين المراسيم العادية التي يصدرها رئيس الجمهورية بعد توقيعها من رئيس مجلس الوزراء والوزراء المختصين ولا تصبح نافذة من دون توقيعه، كما هي الحال مع مرسوم التشكيلات، وبين تلك التي لا يمكن إصدارها إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. فالمراسيم التي تتّخذ في مجلس الوزراء تصبح نافذة في حال امتنع الرئيس عن توقيعها خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إيداعه إياها وفقاً لأحكام الفقرة الثانية من المادة 56 من الدستور.

“تنييم” التشكيلات أتى بعد مسارٍ من التخبيص” لم تشهده العدلية في تاريخها. يعترف قضاة بارزون لـ”أساس” بأنّ “التشكيلات التي صدرت شابتها العديد من الحالات الفاقعة لجهة عدم اعتماد وحدة المعايير، ومنها ترفيع المقصّر و”تحجيم” الكفوء، وعدم التعاطي مع قضاة مكسورة درجاتهم بالمعيار نفسه، وانتقال معادلة القاضي “المحسوب” من حضن القوى السياسية إلى حضن مجلس القضاء الأعلى الذي أتى “بقضاته”، وكذلك مراعاة خاطر بعض الرموز السياسية وتجاهل رموز أخرى على رأسها رئاسة الجمهورية”.

ثمّة اليوم لائحة أعدّها مستشار الرئيس عون تفنّد بالأسماء والمواقع مكامن “السقطات” في المرسوم، ويتمّ تناقلها بين مواقع القرار. وتشكّل اللائحة لرافضي التشكيلات دليلاً قاطعاً على استحالة توقيع عون على المرسوم. في المقابل، كرّس المرسوم حقوقاً معنوية للغالبية العظمى من أسماء القضاة الواردة فيه وتطييره يشكّل نكسة وإحباط وجرعة “تيئيس” من إصلاح الخلل الضارب في عروق السلطة القضائية. أما مجلس القضاء الأعلى الذي يٌشهد لرئيسه بالنزاهة والشفافية فسيكون عليه خوض جولة جديدة لإثبات “الأمرة” على التشكيلات.

بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى على شطب أسماء القضاة الستة يتوقع أن يسلك مرسوم قضاة القضاء العسكري طريقه إلى القصر الجمهوري

فالمجلس جاهر بأنّها التشكيلات الأكثر استقلالية في تاريخ القضاء. لذلك، لم يتردّد في ردّ ملاحظات وزيرة العدل ماري كلود نجم عليها بالإجماع. طلبت الأخيرة مشورة هيئة التشريع والاستشارات حول قانونية عدم أخذ مجلس القضاء الأعلى بالمادة 13 التي تعطي لوزير الدفاع حقّ اقتراح تعيين القضاة العدليين في المحاكم العسكرية. فأتى الردّ من الهيئة الاستشارية العليا التي أكدت على صلاحية مجلس القضاء في اختيار قضاة القضاء العسكري. رفعت وزيرة العدل الاستشارة إلى وزيرة الدفاع وبالتزامن عمدت إلى تجزئة المرسوم الى مرسومين. وقّعت مرسوم قضاة المحاكم المدنية الذي يقبع اليوم في أدراج مكتب رئيس الجمهورية، فيما فضّلت وزيرة الدفاع زينة عكر الردّ على الاستشارة بدراسة قانونية مضادة تعيد فيها التأكيد على صلاحياتها، وتطلب أيضاً شطب ستة قضاة يشكّلون فائضاً في ملاك المحكمة العسكرية.

بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى على شطب أسماء القضاة الستة يتوقع أن يسلك مرسوم قضاة القضاء العسكري طريقه إلى القصر الجمهوري. لكنّ مصادر بعبدا تقول لـ”أساس” إنّ “موقف مجلس القضاء الأعلى في رفض تجزئة المرسوم تكفّل بالأساس بوضع نقطة على آخر السطر وختم الملف… وإلى اللقاء في تشكيلات جديدة نظيفة”!

يسجّل في سياق الملف القضائي الموقف عالي اللهجة الذي أطلقه يوم الأحد البطريرك بشارة الراعي بوجه رئيس الجمهورية، إذ لم يكتفِ بالسؤال عن مصير “التعيينات القضائية التي كنّا ننتظر معها بزوغ فجرٍ جديد يحمل إلينا قضاة منزّهين، أحراراً، متّزنين، وغير مرتهنين لأشخاص أو لأحزاب”، بل دخل على خط انتقاد أداء قضاة محسوبين على بعبدا هما القاضية غادة عون والقاضي نقولا منصور ربطاً بالتحقيقات المفتوحة في ملف الفيول المغشوش، متحدّثاً “عن ممارسات بعض القضاة الذين يقضون من منظار سياسي أو انتقامي أو كيدي”. وتساءل البطريرك: “من أين هذه الممارسة الدخيلة: اتهام وتوقيف في آنٍ من دون سماع المتهم؟ أو فبركة ملفات مع أمر بالتوقيف؟ هل تحوّل نظامنا إلى نظام بوليسي، ديكتاتوري؟ وما هذا الإفراط بالسلطة القضائية، وماذا يعني هذا القضاء الانتقائي؟”.