التشبث باللامعقول وإهمال الممكن

أصبح من الواضح ان ارقام الموازنة تشكو من تقدير خاطئ للعائدات الضريبية، كما شاهدنا عام 2018. وأصبح من الواضح ان من اخطأ في التقديرات السابقة هم من أجروا التقديرات الجديدة، وهم من يصرون على انجاز حسابات القطع. والمدير العام لوزارة المال، المقتدر والمدرك لأخطار الاخطاء، يبلغهم ان البيانات المطلوبة لانجاز حسابات القطع متوافرة ومصنفة ومعدة للمراجعة وليس من يسمع في مجلس النواب.

لقد بينّا سابقًا ان الرقم الادنى للعجز في 2019 سيتجاوز الـ9.6 في المئة بدل الـ7.6 في المئة المعتمد دون حساب وقع تسليف مصلحة كهرباء لبنان 1.9 مليار دولار. فالدائن هنا الدولة والمدين مؤسسة عامة، لكن الدين العام سيرتفع على الاقل بما يساوي 9.6 في المئة والـ1.9 مليار دولار والنتيجة ستكون سيئة للغاية على لبنان، وسنشهد فترة انكماش لسنتين، وتقلصاً لفرص العمل وازدياد خسارة الشباب المتعلمين وهؤلاء حازوا علومهم مقابل اقساط مرتفعة. وكل من يحمل شهادة هندسة، أو اختصاصاً في المحاسبة، أو شهادة طب أو علوم برامج المعلوماتية سيكون حاملاً بذخره العلمي ما يزيد على 200 الف دولار انفقها الاهل على تمكين ابنائهم لكي يحققوا نجاحًا عمليًا، وهذا الرأسمال العلمي سينساب الى فرنسا، والولايات المتحدة، وكندا، وأوستراليا وعدد من الدول العربية.

الموازنة كما هي مضافًا اليها دعم الكهرباء ستؤدي الى ضمور الدخل القومي، والى انحسار الودائع، والى تبخر قدرة المصارف على الاقتراض، واستمرار الفريق الحاكم والمتحكم سيساهم في تكريس لبنان كبلد متخلف، لم يتمكن خلال ثلاث سنوات من ضبط عجز الكهرباء، وتحسين توافر المياه النظيفة، وخفض الاصابات السرطانية، واستقطاب اية توظيفات استثمارية جديدة.

العجز الاكبر فقدان الثقة بالمستقبل، وهنا نذكر الحكام والمواطنين بان افضل معدل نمو تحقق منذ عشر سنين كان عام 2009 حينما ساد اعتقاد لدى اللبنانيين ان مصارفهم تحوز صدقية تفوق صدقية المصارف البريطانية (التي عجز منها مصرفان صيف 2007 وتمت عملية انقاذهما بتملك الدولة للمصرفين) والمصارف الاميركية والسويسرية، فاستعادوا من ودائعهم لدى المصارف الاجنبية 24 مليار دولار لايداعها في لبنان، فتعززت موارد المصارف بالودائع وزيادات رؤوس أموالها وحققنا نموًا بمعدل 9 في المئة واستطعنا تحمل عجز ميزان المدفوعات لسنوات.

اليوم كعادتنا في مواجهة الازمات الاقتصادية نركز على المصارف والرأي العام يساند طلب توفير 11 الف مليار ل.ل من القروض المصرفية مقابل معدل فائدة 1 في المئة من أجل خفض العجز 500 مليون دولار. وقد احسن حاكم مصرف لبنان في تأكيده ان المصارف لا تستطيع تحمل هذا العبء وان الودائع في تناقص واعباء السندات المستحقة بالعملات سدد جزء منها ويمكن تسديد الجزء الآخر مما هو متوافر.

كل المصاعب المالية كان في الإمكان تجاوزها لو كانت ادارة مصلحة كهرباء لبنان على المستوى. أكبر شركة تعهدات وانتاج مولدات كهربائية في المانيا عرضت خلال زيارة المستشارة ميركل خفض عجز الكهرباء مليار دولار هذه السنة، ومليارين السنة المقبلة وتأمين الكهرباء 24/24 ساعة وكبح الاعتماد على المولدات الخاصة وخفض معدل التلوث وتأمين التمويل بمعدل فائدة 2 في المئة سنوياً مدى 20 سنة.

لقد عرض الالمان تمكين لبنان من استعادة النمو والحدّ من التلوث ودين طويل الامد بشروط أفضل من شروط مؤتمر “سيدر”، وكان موقف وزارة الطاقة انهم لم يتسلموا عرضاً تتماشى صياغته مع الصيغ المطلوبة لديهم، وكل ما طلبه الوفد الالماني موافقة مبدئية، لكي يوفروا صيغة تعاقد تتماشى مع الطلبات اللبنانية وتمنع العمولات غير المبررة. فكان الموقف اللبناني غير مشجع على الاطلاق. ومصر عالجت مشكلة عجز انتاج الكهرباء لـ100 مليون مواطن ببرنامج تحقق على سنتين مع شركة “سيمنز” التي انجزت 14000 ميغاوات، وحاجتنا القصوى هي الى 3000 ميغاوات.

هكذا يضيع هذا الحكم الفرص المفيدة ويتسول الـ1000 ل. ل. على النارجيلة، وليس في الامكان حصر توافر النراجيل، خصوصاً ان ضيق مجال الكسب دفع بعض مقدمي النارجيلة الى توفيرها للمنازل وحتى لمكاتب اذا اقتضى الامر. فكم 1000 ل. ل. ستضيع على الطريق. بلد يبحث عن 1000 ل. ل. على النارجيلة هو بلد يشكو من العجز عن التفكير الصحيح في المصلحة العامة وكبح خسارات الكهرباء مدى 10 سنين من 2008 والى 2018 بما يساوي مع الفوائد نسبة 53 في المئة من الدين العام.

الامر الاكيد ان التركيز على تحسين الجباية بوسائل وبرامج بدائية منع المخططين وحاملي مسؤولية انجاز الموازنة من النظر الى فرص تتبدى كل يوم ونحن نتفرج عليها من غير ان نسعى الى تحقيق منافع ممكنة من التعامل مع برنامج الصين لاحياء ما يسمى مشروع طريق الحرير بحرًا وبرًا وتحفيزه.

الصينيون الذين يملكون أكبر احتياط من الدولارات وثاني أكبر احتياط من الذهب يعانون مبادرات اميركية يطلقها الرئيس ترامب على مستوى الضرائب على المستوردات من الصين، وردّت الصين بالمثل وان يكن بتعقل، وقد ركزت على انجاح مشروع طريق الحرير خلال السنين العشر المقبلة وعقدت اجتماعًا أواخر شهر نيسان حضره رؤساء اربعين دولة وخمسة آلاف مشارك من ممثلي ومديري الشركات والمصارف الخ.

مسيرة الصينيين لا تتوقف. وهم انجزوا حديثاً اتفاقًا مع دولة الامارات لتوسيع خدمات المرفأ الذي انجزه أساسًا أمير دبي السابق، وانجاز مصنع للألومينيوم، والكلفة 3.5 مليارات دولار متوافرة من الجانب الصيني، وهم يملكون مرفأ مدينة أثينا واصبح يعج بالحركة، كما عقدوا اتفاقًا ضخمًا مع الكويت ستبلغ تكاليف تنفيذه مدى 10 سنين عشرات المليارات من الدولارات.

لقد أبدى الصينيون اهتمامًا بمرفأ طرابلس وهم يدركون انه في حاجة الى حائط حماية ومعالجة المنطقة المتاخمة التي اصبحت مكبًا للنفايات، وأبدوا اهتمامًا بتنشيط معرض رشيد كرامي الدولي، وبما أنهم يتفادون العمولات ويصرون على دور رئيسي في انجاز الخدمات فان الطريق مفتوح للتعاون مع الصينيين في أقرب وقت، خصوصاً ان وزيرة الداخلية السيدة ريا الحسن تتمتع بمعارف مالية واقتصادية جيدة والمعروف عنها انها من أنزه اعضاء مجلس الوزراء وبالتأكيد لو كلفت هذه المهمة وباشرتها دون “بارازيت” من زملاء لها فشلوا حتى تاريخه في تحقيق أي انجاز، نستطيع أن نأمل في تحسين على مستوى لبنان ككل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*