الرئيسية / home slide / الترسيم يترنّح و”رئاسة عون” تستدرج الفراغ… هل يفجّر “حزب الله” كاريش بعد مهلة أيلول؟

الترسيم يترنّح و”رئاسة عون” تستدرج الفراغ… هل يفجّر “حزب الله” كاريش بعد مهلة أيلول؟

21-08-2022 | 17:33 المصدر: “النهار”

ابراهيم حيدر

ابراهيم حيدر

ميشال عون.

لا أحد يستطيع تقدير ما ستؤول إليه الأوضاع في لبنان مطلع أيلول المقبل، في ظل التخبط الذي يتأرجح به البلد بين هبّات ساخنة وباردة حول الملفات الضاغطة التي يواجهها، وابرزها مفاوضات #ترسيم الحدود والدخول في المهلة الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية، والخلاف حول تشكيل الحكومة، فيما يترقب الجميع مسار فيينا حول المفاوضات النووية وتأثيراته على لبنان ومواقع النفوذ فيه وأمكان احداث خرق يؤدي إلى تسوية ضمن معادلات القوى في النظام. الوقائع تشير حتى الآن إلى أن الملفات كلها عالقة فيما يتسارع الانهيار ويهدد بالخراب ويفتح الطريق لانفجارات أمنية وسياسية تطيح ما تبقى من ركائز البلد وبنيانه الاجتماعي.

حتى الآن لا مؤشرات تفيد باحتمال انجاز تسوية في تشكيل الحكومة، فالتفاؤل الذي ساد خلال الأسبوع الماضي بعد اللقاء الثالث بين رئيسي الجمهورية #ميشال عون والحكومة نجيب ميقاتي سرعان ما تبدّد بفعل ارتفاع سقف الشروط حول هوية الحكومة وتركيبتها خصوصاً من التيار العوني الذي يريد ضمان السلطة بحكومة قادرة على الحكم في حال العجز عن انتخاب الرئيس الجديد. لكن الملف الأكثر سخونة والذي يحمل معه في أيلول المقبل الكثير من الاحتمالات هو ترسيم الحدود. “#حزب الله” أكد بلسان أمينه العام حسن نصرالله التزامه المهلة التي حددها للوصول إلى اتفاق في هذا الشأن ورفع سقف تهديداته ضد إسرائيل للقبول بالشروط اللبنانية حول الترسيم. هذا التصعيد يعني بالدرجة الاولى أن لا تقدمَ بعد للحل، بعكس ما يشاع عن أن الإسرائيليين مستعدون للتسليم بما يطلبه لبنان.

المعطيات تشير إلى أن التصعيد في الترسيم قد يؤدي إلى نسف المفاوضات التي يقودها الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين من أساسها، فـ”حزب الله” يعتقد أن رفع سقف التهديدات حتى انتهاء مهلة أيلول ستؤدي إلى تسليم الإسرائيليين بالحقوق اللبنانية، بينما يظهر الخلاف داخل الحكومة الإسرائيلية أن الأمور لن تحسم قبل الانتخابات، نظراً لتأثيراتها على الداخل الإسرائيلي. ولذا فإن أحد الأسباب التي أخرت عودة هوكشتاين إلى بيروت هو عدم حصوله على رد إسرائيلي على الطلب اللبناني، وهو وفق مصدر دبلوماسي لبناني قد يرجئ وساطته ومعها زياراته إلى المنطقة في حال لم يتبلغ من الحكومة الإسرائيلية موقفاً حاسماً من الموضوع، وذلك على الرغم من أن واشنطن تضغط لعدم تأجيل هذا الملف وتريد الانتهاء منه بالتوازي مع مفاوضات فيينا النووية.

لن يكون أيلول شهر الحسم في ملف الترسيم، فوفق الدبلوماسي، تبدو المهلة التي وضعها “حزب الله” محرجة له، وهو قد يورط لبنان في حرب مدمرة إذا نفذ تهديداته بقصف حقل #كاريش، في وقت لم توافق إسرائيل حتى الآن على المطالب اللبنانية وتصر على حصة من البلوك رقم 8 وتقسيم المنطقة المتنازع عليها في حقل قانا. فيما يتقدم المعارضون للاتفاق في الحكومة الإسرائيلية ويضغطون لعدم الاستجابة لمطالب لبنان وتهديدات “حزب الله” والبدء بالاستخراج في أقرب وقت وبالتزامن مع الانتخابات. وأمام هذا الواقع يعتقد الدبلوماسي أن زيارة هوكشتاين قد تتأجل إلا إذا حدثت تطورات إيجابية في الموقف الإسرائيلي مطلع أيلول، عندها يعود الوسيط الأميركي للحصول على تعهدات مكتوبة من الإسرائيليين واللبنانيين.

ملف ترسيم الحدود الضاغط ينعكس على الاستحقاقات اللبنانية وفي مقدمها رئاسة الجمهورية، إذ يعتبر الدبلوماسي اللبناني أن نتائج مفاوضات الترسيم ستحدد، سلباً أم إيجاباً، انتخاب الرئيس الجديد، أو دخول لبنان في الفراغ. وعليه سيكون لـ”حزب الله” الكلمة الفصل في الاستحقاق، باعتبار أنه قدم نفسه القوة التي سمحت بالحفاظ على ثروات لبنان من الغاز والنفط. النقطة المهمة التي يجب ملاحظتها أن القوى الدولية والإقليمية أيضاً تركز أولاً على الترسيم، أما في موضوع انتخاب الرئيس، فتنظر إلى مرحلة ما بعده والتوازنات والحكومة. المعطيات تشير إلى سقوط فكرة الرئيس التوافقي، وهي معادلة انتهت عند تنصيب ميشال عون رئيساً في 2016. الأمر ينسحب على رئاسة الحكومة أيضاً التي تغيرت معالمها منذ 2010. كل الحكومات التي أتت منذ ذلك الوقت كانت تحت سيطرة قوى الممانعة و”حزب الله” لكنها أخفقت وعزلت لبنان وأخذته إلى الانهيار. 

التخبط الذي يعيشه البلد في الاستحقاقات، يطرح احتمال أن يأتي رئيس جمهورية ضمن سلة متكاملة حول النظام اللبناني، ضمن موازين قوى مختلفة، تبدو اليوم لمصلحة “حزب الله”، خصوصاً إذا أُقر الاتفاق النووي. انتخاب الرئيس سيحدد مساراً سياسياً جديداً للبلد، أو يبقى الفراغ إلى حين الاتفاق على صيغة جديدة. وعلى هذا لا يمكن عزل تأثيرات المفاوضات النووية، فتوقيع الاتفاق سينعكس على لبنان حتماً خصوصاً على دور “حزب الله” فيه. ويبدو الحزب في هذا السياق مرتاحاً لوضعه من موقع فائض القوة، فهو سيستفيد من تغطية مرجعيته الإيرانية بطريقة مختلفة عن 2015، باعتباره أكثر قدرة اليوم على التأثير ويمتلك سلاحاً يفوق باشواط مما كان يمتلكه سابقاً، وهو استعرضه في ملف ترسيم الحدود. وهذا يعني ترسيخ موقعه ومرجعيته في أي حل أو تسوية للوضع اللبناني المأزوم. 

المعضلة اللبنانية اليوم أكثر تعقيداً وهي تبدوعصية على انتاج تسويات إلا برعاية دولية. لكن الوقائع تشير إلى أن “الحزب المهيمن” لن يقدم تنازلات بالسهولة التي يعتقدها البعض، طالما أنه يتمتع بالقوة والقرار. وحتى الآن لا يبدو أن الأميركيين في المفاوضات النووية على استعداد لبحث ملف “حزب الله” كما أن الدول الخليجية ترفض استمرار هيمنته، وهي غير مستعدة لتقديم المساعدات أو البحث بالشأن اللبناني في ظل سيطرته. هذا يعني أن “حزب الله” في الاستحقاقات غير قادر على إخراج البلد من أزمته ومن حالة الانهيار، إلا إذا تمكن من التوصل بموازاة المفاوضات النووية الى تفاهمات مع قوى إقليمية ودولية عبر تنازلات يقدمها للتسويات، وهو مسار غير متوفر حتى الآن. وعلى هذا تشير المعطيات إلى أن الأزمة في الاستحقاق الرئاسي مستمرة بغياب التوافق حتى انتهاء المهلة الدستورية أواخر تشرين الأول المقبل، وان ميشال عون سيبقى حتى آخر يوم من ولايته أو حتى بعدها وقد يلجأ إلى خيارات تذكر بمراحل سابقة، ولا يبدو أن هناك مشكلة لـ”حزب الله” في هذا الامر.

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

Twitter: @ihaidar62