الترسيم البحري: ما يريده حزب الله وما تريده واشنطن

مواكبةً لجولة الموفد الأميركي دايفيد ساترفيلد إلى بيروت حول الترسيم البحري بين لبنان وفلسطين المحتلة، لا يزال الحديث اللبناني يتركز على سلسلة نقاط، تتعلق بواقع المفاوضات التي ستُجرى ومكانها، ودور حزب الله في الموافقة عليها وأسبابها.

ينطلق لبنان الرسمي، ومعه وحزب الله، من واقع أن الولايات المتحدة وإسرائيل استجابتا لمطالبة مزمنة، وأن واشنطن بعد رفض طويل لدور الأمم المتحدة في الترسيم البحري، عادت وقبلت بهذا الدور، ما يعني في حد ذاته «انتصاراً معنوياً ومادياً». فمنذ أن بدأ ساترفيلد جولاته المكوكية بين بيروت وتل أبيب، سمع رواية واحدة، من المسؤولين السياسيين والأمنيين على السواء، وموقفاً واحداً متمسكاً – كما يردد الرئيس نبيه بري – بعدم التفريط بكوب ماء واحد من بحر لبنان، في مقابل تمسك واشنطن بخط هوف. على مدى أشهر التفاوض، طرح لبنان موضوع الأمم المتحدة كطرف تُجرى تحت رعايته المفاوضات، فرفضت واشنطن، رغم أن العرض اللبناني تضمن قبولاً بدور واشنطن كمراقب أو مشارك. وفي الوقت ذاته عرض لبنان أيضاً دخول واشنطن على خط التفاوض مع قبرص، التي عقدت اتفاقاً مع إسرائيل في شأن البحر، من دون إعلام لبنان، خلافاً لما يجب فعله وفق المعاهدة المعقودة بينهما. علماً أنه يحق للبنان رفع سقف موقفه الرافض للتصرف القبرصي إلى الأمم المتحدة. رفضت واشنطن وحصرت مهمتها في التنسيق مع إسرائيل ونقل الرسائل لإقناع لبنان بخط هوف وحده بلا بدائل.
أتى تطور الموقف الأميركي وخلفه الإسرائيلي، بعدما تبلغ لبنان سلفاً وقبل وصول ساترفيلد الأسبوع الماضي، جواً إيجابياً حول المنحى التفاوضي الجديد، في توقيت إقليمي ضاغط، نتيجة الكباش الأميركي – الإيراني، والجو الذي كان قد رفع منسوب المحاذير من نشوب حرب إقليمية. ما طرح أسئلة عن مغزى التطور الأميركي، ومعه أيضاً موقف حزب الله، ليس لجهة قبول واشنطن العرض اللبناني، بل مبدأ التفاوض في حد ذاته.
يفاوض لبنان اليوم على تلازم البر والبحر، وهذا يعني أن لا ترسيم بحرياً من دون الاتفاق على النقاط المختلف عليها براً، والتي لا يزال يحتاج لبنان وإسرائيل إلى مفاوضات برعاية الأمم المتحدة للبتّ بها، والانطلاق من نقطة b1 الصخرية في الناقورة التي يتمسك بها لبنان منطلقاً للترسيم البري، وإذا لم يحل الخلاف على الترسيم البري لن ينطلق الترسيم البحري.
علماً أن لبنان، بعد أخطاء وقع فيها سابقاً بتحديد المساحة الكاملة التي يحق له بها براً والتي أفقدته جزءاً مهماً من البحر اللبناني، بات أكثر دقة في التعامل مع عمليات الترسيم، وحريصاً على التمعن بكافة النقاط موضع الجدل، لأن الملف بات أكثر جدية مع تقدم الموقف الأميركي.
هذا التفاوض يطرح بنوداً تحتاج وقتاً لبلورتها: أين ستُجرى المفاوضات، في الناقورة استكمالاً لمهمة الأمم المتحدة في لبنان، ما يستلزم تغييراً في مهمتها قانوناً، أم ينقل الملف برمته إلى الأمم المتحدة في نيويورك، ويفترض منحىً آخر من التفاوض؟ وكيف تُعدَّل مهمة اللجنة الثلاثية المكلفة حتى الآن التنسيق بشأن الحدود الجنوبية، وما هي حدود الدور الأميركي في أي لجنة موسعة؟ علماً أن الفقرة التنفيذية 10 من القرار 1701 تلحظ الترسيم الحدودي، بالقول: «يطالب الأمين العام بتطوير – بالتنسيق مع فاعلين دوليين أساسيين والأطراف المعنية – اقتراحات لتطبيق بنود اتفاق الطائف ذات الصلة، والقرارين 1559 (2004) و1680 (2006)، تتضمن نزع السلاح، وترسيم حدود لبنان الدولية، خصوصاً في تلك المناطق، حيث هناك نزاع أو التباس، بما في ذلك معالجة مسألة مزارع شبعا». وهنا يكمن بعض اللغط حول التزامن بين الترسيم البحري وعودة النقاش مجدداً في مسألة مزارع شبعا ولبنانيتها، في توقيت واحد، علماً أن الأجهزة اللبنانية بدأت تعد ملفاتها حول شبعا والغجر، تزامناً مع فتح ملف الحدود البحرية والبرية.

يسرّع الأميركيون عملية استحصال إسرائيل، وهي الجاهزة أكثر من لبنان، على غاز البحر المتوسط


تتوزع قراءة مرحلة الترسيم الحالية من زاويتين: الأولى أن حزب الله سبق أن وافق على مبدأ الترسيم والرعاية الأممية منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، ولاحقاً مع القرار 1701، وصولاً إلى ترسيم الحدود مع سوريا على طاولة الحوار عام 2006 التي حضرها الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله شخصياً، وطالب حينها باستخدام كلمة تحديد بدل ترسيم، وكان هذا الجانب يتعلق بمزارع شبعا. بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000، حُدِّدَت نقاط الانسحاب التي وافق عليها لبنان بنسبة تجاوزت تسعين في المئة، وبقيت 13 نقطة اعترض عليها لبنان عند ما بات يُعرَف بالخط الأزرق. وقد استمرّ التفاوض حولها لسنوات، وعند الانتهاء منها يمكن الانطلاق للترسيم البحري. وهذا يعني أن مبدأ التفاوض بذاته معترف به من جانب الحزب، حتى لو كانت إسرائيل قد حاولت مراراً القفز فوقه وعدم الموافقة على تلازم مساري الترسيم البري والبحري. لكنه اليوم يأخذ إطاراً أوسع لأنه بذلك يسحب من الداخل أي نقاش حول الاستراتيجية الدفاعية وسلاح الحزب وكل ما يمتُّ إليه بصلة. أما الأميركيون، فيتعاملون مع الملف من زاوية مقابلة، وهم دخلوا إلى خط التفاوض بقوة الحضور والمشاركة الأممية، على اعتبار أنهم بذلك يسحبون من الحزب بدورهم أي ذريعة مستقبلية لسلاحه ووجوده وتطويق أي احتمالات يدخل إليها الحزب في سعيه إلى تحرير الأرض والبحر. فرغم أن لبنان بدا متمسكاً بقوة التفاوض وتلازم المسارين، إلا أنه في لحظات أيضاً لم يستطع أن يغامر كثيراً في اتخاذ خطوات دفاعية، كما حصل في اجتماعات المجلس الأعلى للدفاع بعد قضية الأنفاق والجدار الإسرائيلي. واستفاد الأميركيون من نقطة الضعف تلك، مع تعدد وجهات النظر المحلية الأمنية والسياسية، تجاه الوضع الحدودي، فسارعوا إلى تغيير استراتيجية التفاوض. يضغط الأميركيون إقليمياً، فيصعّدون إلى حد دفع الجميع إلى حافة الهاوية، من دون إعلان قرار الحرب، ويكثفون أوراق الضغط في كل الاتجاهات، فيعطون لبنان رعاية أممية للترسيم، ويسحبون ورقة ضغط من حزب الله على إسرائيل، ويسرّعون عملية استحصالها وهي الجاهزة أكثر من لبنان، على غاز البحر المتوسط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*