الرئيسية / home slide / “التراث المأثور: من صحف ابراهيم وموسى – النصوص الأصلية”: منصور على خطى الصليبي يؤكد فلسطينية الحدث التوراتي

“التراث المأثور: من صحف ابراهيم وموسى – النصوص الأصلية”: منصور على خطى الصليبي يؤكد فلسطينية الحدث التوراتي

03-12-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

“التراث المأثور: من صحف ابراهيم وموسى – النصوص الأصلية”.

محمود شريح

الدكتور محمد #مصطفى منصور في جديده (مؤسّسة الانتشار العربي، الشارقة، 2023، في 1184 صفحة من القطع الموسوعي، وغلاف أنيق تصميم خلود يوسف القصيبي: خواتيم سورة الأعلى من مصحف القاهرة المدوّن بخطّ المصاحف الأولى) عود على بدء أي الكشف عن مصدر النصوص الأصليّة لصحف ابراهيم وموسى وعن الكنوز التاريخية وال#أدبية فيها والعائدة “لأرضنا وشعوبنا، فهي بحقّ بضاعتُنا رُدّت إلينا، وما شغلنا عنها وكان السبب في زهدنا فيها إلّا الظنُّ بأنها من تراث يهود #فلسطين الذين تشتّتوا في الغارب من الأيام”. على هذا النحو يسير منصور في بحثِه وعلى خُطى كمال الصليبي في كتابه الذائع الصيت “التوراة جاءت من جزيرة العرب” فيرى أن دراسة الصليبي هذه كانت محقّة في شكوكِه، وأنها، مع الأبحاث الموازية لها، تؤكّد فلسطينية الحدث التوراتي، ويلحّ منصور على أن الأدلّة بمعظمها تشير إلى جزيرة العرب على أنها البديل المحتمل، وأنه تمّ إسقاط النصوص على جغرافية شرق المتوسّط في الفترة الهيلينية لأسباب تستدعيها سياسة السلوقيين وذلك لتنفير يهود فلسطين من خصومهم البطالمة واعتبار بلاد القبط أنها وريثة مصر التي اضطهدت أسلافهم بالتواطؤ مع كهنة السلطان من الصدّوقيين.

كان د. منصور في كتابه الرائد التوراة الحجازية: تاريخ الجزيرة المكنوز (مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2020) راجعَ الموضوع بشكل شامل فخلُصَ إلى أنّ بني اسرائيل كانوا من العرب البائدة، وأنّ محور الحدث التوراتي كان مكّة ومنطقتها الكبرى، ومن هنا أصدرَ د. منصور كتابه الثاني هذا حول لغة النصوص الأصلية بقراءة تعتمدُ 28 حرفاً منطوقاً كالعربيّة، فدرسَ تلك النصوص بتأنٍ ليؤكّد على أنّ مسرح الحدث التوراتي كان في بلاد اليمن السعيد، منطلقاً من تصوّر كمال الصليبي أن الجغرافيا الحقيقية للحدث التوراتي كانت في إقليم عسير في جنوب المملكة العربية السعودية اليوم، لكن د. منصور الآن يتقدّم عما سبقه إذ يقوده بحثُه بعد عقدين إلى أن معظم قصص الأنبياء تمّت في منطقة مكّة المكرّمة، فمقاربته اللغوية للموضوع انطلقت من آيات قرآنية تثبت قولَه.

مستندُ د. منصور في بحثه أنّ النصوص العبريّة للكتاب المقدّس عمرها حوالي ألفي عام من نصوص خام وُجدت بالخط الآرامي الحديث، وهو خطّ مطابق لخطّ العرب الأنباط الذي أُخذتْ منه الحروف العربية المعاصرة.

قام صاحب التراث المأثور بضبط قراءة هذه النصوص من القرن الخامس الميلادي حتى القرن الثاني عشر من علماء ظنّوا بأنّها عائدة للغة كانت سائدة في فلسطين ثم اندثرتْ، وهذه النصوص بدورها كانت نُقلت لهذا الخطّ الأصل بالآرامي القديم ربما تمييزاً للطائفة اليهودية عن طائفة السامريين التي كانت لها نسختها المدوّنة بالخط الآرامي القديم في نينوى إثر السبي الآشوري للمملكة الشمالية التي عاصمتها شمرون أو السامرة. وخبرنا عزرا أنه كان ينصّ “وحياً” على خمسة كتبة دوّنوه بخط جديد لأوّل مرّة هو الخط الأرامي، وهو قريب جداً للخط الفينيقي الذي تبنّته الدولة الإخمينية في عهد داريوس الأوّل (522 – 486 ق. م.) ليكون الخط الرسمي في كامل الإمبراطورية، كما الأكادية الساميّة لغة رسمية لمراسلات الدولة، وبسبب التطابق بين النصّ اليهودي والسامري يخلص د. منصور إلى أن العزيز كان في الواقع ينصّ على كتبته من كتاب لديه مكتوب بخط يعرفه هو وغير متداول في بابل، وهو غالباً الخطّ الذي كان متداولاً في بيئة بني اسرائيل الأُولى قبل السبي، وهو الخطّ الذي كتبَ به موسى، أي الخط المقدّس الذي خطّتْ به يدُ القدر الإلهية على الألواح لموسى، وهو الخطّ نفسه الذي استطاع بواسطته الملك يوشيا (حكم بين 640 و609 ق. م.) وكاتبه سفيان وكاهنه الأكبر خلاقيا قبل السبي أن يقرأوا به سفر الشريعة الذي وُجد قرب تابوت السكينة داخل قُدس الأقداس في أورشليم، والذي يُعتقد بأنه الأصلي الذي كان من تدوين موسى أو أحد أبناء هارون في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. هنا يعود د. منصور إلى الآيات القرآنية فيجد أنّ ذِكر “الزبور” وردَ عشر مرات، وأن خطّ الزبور القديم هو صيغة ليّنة من الخط الثمودي القديم الذي نعرف من النقوش الصخرية أنه كان منتشراً في طول الجزيرة العربية وعرضها والحبشة، والشعراء الجاهليون أطلقوا على الجميع اسم “الزبور” بما في ذلك الخطّ المساند المشتقّ من الثمودي، وهو ما لم توجد منه نماذج تُذكر في فلسطين ولبنان. يلاحظ د. منصور أن الخط المستعمل في فلسطين زمن موسى كان نفسه الخطّ المستعمل في بلاد الشام وهو المسماري، فيشير إلى أن رسائل تلّ العمارنة الموجّهة من فلسطين إلى بلاد القبط في زمن موسى كانت على هذا النحو، إذ كانت فلسطين خاضعة آنذاك لسلطة بلاد النيل.

بدأ د. منصور بحثه في العام 2001 إثر دراسته التاريخ التوراتي واليهودي والعربي الجاهلي، وجغرافية فلسطين والجزيرة واليمن، فوجد أن النصّ العبري بحروفه مطابق للخطّ العربي المعاصر والمؤلَّف من 22 حرفاً غير منقّط، وأن المقاربة بين أسماء الأنبياء في النصّ التوراتي بالخط الآرامي المربّع والمخطوطات القرآنية بالخط العثماني تؤكّد القراءة المحتملة للنطق بكامل الـ 28 حرفاً وبلهجة غرب الجزيرة التي تشابه العربية الفصحى إلى حدّ بعيد.

بهذه التقنية المستحدثة في منهج البحث اللغوي أفلح د. منصور في ردّ صحف ابراهيم وموسى إلى أُصولها العربية فكان له فتح جديد في مسرى التوراة من جزيرة العرب بقماشة أهلها حرفاً ونطقاً.

الكلمات الدالة

مصطفى منصور فلسطين أدب