التحوّل الكبير: تجار وحرفيون في دولة محمد علي باشا


محمد تركي الربيعو
القدس العربي
14092019

خلال الحملة الفرنسية على مصر 1798/1801 حرص الفرنسيون على جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول البلد الذي احتلّوه: حياته النباتية والحيوانية، وعادات وتقاليد سكانه، ونظام الاستغلال الزراعي، وجباية الضرائب، والقوانين المنظمة للزواج والميراث، والتجارة والصناعة، وعبر الكتبة الماليين، المجبرين على الكشف عن أسرار مهنتهم إلى الحكام الفرنسيين، شغلت المعلومات الخاصة بإدارة البلاد مكانة متميزة في المؤلف الضخم الذي سيصبح عنوانه في ما بعد «وصف مصر».
لن يطول البقاء الفرنسي، لتعود مصر مرة ثانية للحكم العثماني، بيد أن هذه العودة جاءت هذه المرة مترافقة مع تحولات عسكرية وسياسية وتعديلات إدارية صارمة؛ إذ قام السلطان سليم الثالث بإصلاحات واسعة في قلب السلطنة، الأمر الذي اعتبره المؤرخون بمثابة عام مفصلي، وبداية عهد في المجال السياسي والعسكري، وبداية تأسيس نظام سياسي يقوم على التحكّم في السكان واختراع أشكال جديدة من الضريبة، إضافة إلى إجراء عمليات إحصاء السكان. وسيبلغ هذا التطور الإداري والإصلاحي مداه مع حصول محمد علي في عام 1805 على حق حكم مصر من إسطنبول؛ إذ شرع هذا الضابط في استكمال مشروع الإصلاحات والتبدلات، ليشمل أيضاً بناء شبكات اجتماعية جديدة، ربما تمثّل أهمها في إلغاء النخب المحلية الاقتصادية، وإحلال نخب أخرى أكثر قرباً من الإدارة المركزية الجديدة.


وقد شكّل هذا التحول في الشبكات الاقتصادية ولاعبيها، محورَ اهتمام المؤرخة المصرية باسكال غزالة أستاذة التاريخ في الجامعة الأمريكية في القاهرة في كتابها المتميز والصادر بجزئين عن المركز القومي للترجمة تحت عنوان «التحول الكبير: إعادة تكوين الثروات وشبكات التحول الاجتماعي في عصر محمد علي».
ترى باسكال أن ما ميّز هذه الفترة عن سابقاتها، أن محمد علي لم يكن نتاج كبار بيوت الأمراء، الذين مارسوا استقلالية مصر شبه مطلقة إزاء الباب العالي خلال الربع الأخير من القرن الثامن عشر، فقد كان قادراً وهو يؤسّس سلطته على خلق قوة عسكرية حرّة من الولاء، ومن المنافسات التي عبرت تنظيم المماليك، عدا أولاده الذين شغلوا المناصب الرئيسية في الجهاز العسكري؛ مع ذلك تُظهِر السجلّات أن الوالي، وفي سياق تأسيسه للشبكات الاجتماعية والاقتصادية، اضطر في السنوات الأولى من حكمه إلى الاستعانة بمجموعات تُمكّنه من الصعود في البلاد، وفي الغالب كانت هذه المجموعات من علماء وكبار تجار وموردين للدولة، وهي امتداد للمرحلة السابقة.

الخطاب حول الدولة الحديثة والإصلاحات غالباً ما كان ينظر للتجار الكبار بنظرة اتهامية. ولم يستعد الفاعلون الاقتصاديون مكانهم في التأريخ إلا منذ عام 1854 ولاحقاً.

تؤكد باسكال، أن الخوض في دراسة الشبكات الاقتصادية في عهد دولة محمد علي ليس بالأمر اليسير، فهناك من جانب، نظرة سائدة إلى مرحلة قدوم هذا الضابط بوصفها مرحلة تأسيس الدولة والإصلاح في مصر، وهو ما لا يتقاطع ربما مع قناعات المؤرخة وعدد من الدراسات والمراجعات التاريخية، التي لا تنفي دور التحول والإصلاح، بيد أنها في المقابل تبدو أكثر حساسية لمسألة أن قدوم هذه المرحلة ترافق مع اعتماد نظام سياسي أكثر مركزية. أما الإشكالية الأخرى، فتتعلق بالمصادر وتأثيرها، التي توجّه البحث على نحو غير محسوس. فالسلطات التي خُلقت خلال النصف الأول ولّدت توثيقاً غزيراً، ومن ثمة يواجه المؤرخ معلومات غزيرة، هي بالنسبة له نعمة وقيد في آن: نعمة لأن بلاغة البيروقراطية إزاء موضوعها تزوده بعناصر مفيدة، في ما يخص تاريخ المؤسسات، لكنها قيد في المقابل لأن طلاقة من هذا القبيل ستميل إلى أن تقنع ما كانت تريد إسكاته، ونسيان ما لا تتحدث عنه أو ما هو أكثر من ذلك. لهذا السبب، بنت قلة من المؤرخين بحثها في تناولها للقرن التاسع عشر المصري على مصادر أنتجتها مؤسسات، وُجِدت قبل وصول محمد علي إلى السلطة، واستمرت في العمل على امتداد هذه الفترة، وبحثت بالأحرى عن أصالة الجديد بالضبط، حيث كان يُعرب عنه في أكثر أشكاله صراحة، مع المخاطرة بإعادة إنتاج خطاب الدولة عن نفسها.
من هنا فإن علم التأريخ لم يأخذ بعين الاعتبار الفاعلين المحليين؛ الأفراد والشبكات الاجتماعية التي تواجدت قبل مجيء محمد علي. فبينما يتمتع علم تاريخ الحقبة العثمانية في مصر حتى عالم 1798 بإثراء أحدثته أعمال أندريه ريمون ونيللي حنا وغيرهم حول القاهرة، فإن التحريات التي تتعلق بعصر محمد علي تطورت في عزلة نسبية، عدا بعض الاستثناءات الملحوظة، ولذلك لم تدرس هذه الدراسات الاستمراريات المحتملة بين العصر السابق لعام 1805 والعصر الذي يلي هذا التاريخ.
قد يكون عبد الرحمن الجبرتي حالة استثنائية في هذا السياق، فقد اهتم هذا المؤرخ بكل ما هو عجيــــــب في الوسط الحضري وشهادة العيان التي يقــــدمها، بالإضافة إلى الأخبار التــــي جلبها له مخبروه، وهذا ما يُظـــــهِر لنا أن سرده لم يخص الأعيــــان والنخــــب السياسية والعسكرية. وإنما نعثر كذلك على مكان للفاعلين الاقتصاديين في سرده، لكن أغلبـــهم ظلوا مجـــهولين، ســـواء تعلق الأمر بالعامة أو الحرفيين أو أسماء التجار.
وتحاول غزالة في هذا الكتاب، من أجل تجنب هذه القطيعة، رسم مسار أحد الأفراد في عام 1805 والبحث عن آثار هذا المسار في الوثائق التي أصدرتها المحاكم العثمانية، التي استمرت في عملها أيضاً مع وصول محمد علي إلى السلطة، إذ ستحاول من خلال هذا التتبع معرفة ما الذي حدث للنخب الاقتصادية السابقة في المدينة، التي بدا أن نشاطها قد اختفى تحت ثقل اقتصاد دولة. إذ أدى وصول محمد علي إلى الحكم إلى وضع حد لمرحلة العلاقة الإيجابية بين الدولة وأنشطة التجار من ذوي النفوذ، فالاحتكارات التي فرضها الوالي على المواد الأولية منعت التجار من تحقيق الأرباح الخاصة. كما أن الخطاب حول الدولة الحديثة والإصلاحات غالباً ما كان ينظر للتجار الكبار بنظرة اتهامية. ولم يستعد الفاعلون الاقتصاديون مكانهم في التأريخ إلا منذ عام 1854 ولاحقاً.
نستدل على عائلة المحروقي في الحوليات الرئيسية للسنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر والسنوات الأول من القرن التاسع عشر. لقد كسبت هذه العائلة عبر مساراتها المهنية مصادر الثروة الحضرية، ولذلك فهي تشكل حالة مميزة تسمح بمعرفة كيف أمكن للأفراد الحصول على الثروات المادية، وكيف كانوا يتصرفون بها. فامتداد شبكات تأثيرهم والطريقة التي مكنتهم من الاستفادة من تحالفات المصاهرة والجمعيات التجارية، والروابط التي نسجوها مع السلطة السياسة، بالإضافة إلى خياراتهم في الاستثمارات التي جعلت منهم الأب والابن والشركاء، حالة مثيرة للاهتمام على نحو مضاعف في تاريخ دولة محمد علي وشبكاته الاقتصادية.

٭ كاتب من سوريا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*