الرئيسية / مقالات / التجديد للقدامى

التجديد للقدامى

متظاهرون معارضون لبوتفليقة

ليس هناك من شعب أو عرق أو جنس او كائن حيّ يستحق الاستعمار، أي العبودية. وقد وُصف بالاستعمار كل حكم غريب، باعتباره نقيضاً لحرية البشر وكرامتهم الإنسانية المجردة. أما الاستعمار الداخلي، فوصف بالاستبداد. فالأول احتلال خارجي، مرهون بنهاية حتمية مهما طال، أو مهما تفاوتت واختلفت مساوئه وميزاته: البريطانيون هم من أسس الولايات المتحدة وكندا وأوستراليا. والاميركيون الذين ثاروا على بريطانيا كانوا من اصول بريطانية. لم يتوقف أي أميركي لحظة عند أن مستعمرته، لندن، هي أغنى وأرقى وأهم عاصمة في الكون آنذاك. ولا توقف الجزائري والمغربي والتونسي، عند ان الفرنسي حمل معه ايضاً المدارس والمستشفيات ومبادىء الثورة.

هل نخلص من ذلك، الى أن الاستبداد أرحم من الاستعمار، وأن عبودية الغريب لا تطاق، والأخرى تجوز؟ منذ 2010 مرّ العالم العربي في محن مدمرة بسبب جهل الحقيقة الكبرى: ليس للظلم والقهر والطغيان سوى لون واحد. قام “الربيع العربي”، بما فيه من صفاء ونقاء واندفاع، أو ما تخلله من تربص ودفع، ضد احتلالات داخلية لكرامة الإنسان العربي: اربعون عاماً من ملك ملوك افريقيا، وثلاثون من حسني مبارك يريد توريثها لابنه الاصغر، وربع قرن من زين العابدين بن علي يريد مدها الى الأبد. على الأقل.

في كل هذه الحالات، كان يمكن الحاكم ان يوفر على بلاده وشعبه الدمار، وأن يوفر على نفسه عار التاريخ. في صنعاء، تطلع علي عبدالله صالح الى ما يحصل، وقال إنه لن يطلب التجديد بعد 33 عاماً. وفي الخرطوم وضع البشير عصاه جانباً وقال إنه لن يطلب ولاية أخرى بعد نهاية الحالية. إذن، لا فريق اليمن ولا مشير السودان، سوف يخالف منطق وطبيعة بديهيات الحكم وامثولاته ودروسه.

غلط. عاد فريق اليمن فطلب السلطة بكل الوسائل، وتحالف في سبيلها مع اعداء الأمس ، فكان ان كوفىء كما كوفىء القذافي، صورة محزنة، وفظاظة وحشية، وربيع ممرغ بدماء الثأر، بعيداً من كل قانون.

يحدث هذا عندما يكون النصر أبشع من الهزيمة، ويكون القاتل أكثر همجية من ظالمه. الأول الغى جميع مظاهر حكم القانون، والثاني عمل بمفاهيم ذلك الالغاء. اليوم، مرة أخرى، يقف العالم العربي على حافة فزع جديد. حاكم السودان يعلن الاحكام العرفية من أجل البقاء في السلطة المؤبدة، وحاكم الجزائر يريد، من سرير المرض والكرسي المتحرك في جنيف، خوض معركة الولاية الخامسة.

علينا أن نخاف. السودان الذي فقد نصفه في الجنوب، وفي حربه في دارفور، وطمأنينته في الانقلابات العسكرية، لا يحتمل تحول الصراع السياسي الحالي إلى مواجهة. والجزائر، التي عاد إليها الوئام الوطني في ظل بوتفليقة، لا يجوز ان يكون هو سبباً في تعريض الوئام للخطر. كان روزفلت مقعداً عندما انتخبه الاميركيون مرة ثالثة، لكنه كان مصاباً بشلل نصفي من الاسفل، وكان يخطب في مواطنيه، وينتشل أميركا من اسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها.

ماذا يريد حاكم السودان ان يثبت، وكذلك حاكم الجزائر؟ التظاهرات تعم الدولتين، بالاحكام العرفية أو من دونها. بدعم الجيش أو من دونه. وبدل أن يشرف الرئيسان على مرحلة انتقالية هادئة يسلمان فيها الأمانة الوطنية، يتصرف كلاهما وكأن لا بديل منه ولا مثيل له وسط كل هذه الملايين من البشر.

بعد مبارك استطاعت مصر لملمة نفسها. وبعد بن علي استطاعت تونس ان تحقق نوعاً من التعايش الهش. لكن ليبيا ما بعد القذافي وجماهيريته، في حرب وفوضى، ويمن ما بعد الفريق علي عبدالله صالح، على مذبح الحوثيين. ناهيك طبعاً بما يحدث في العراق منذ الاحتلال الاميركي، أو في سوريا، حيث ظل النظام صامداً على رغم شمول الحرب كل أراضيها.

في جميع النظم الجمهورية العربية، احتقر الحاكم فروض النظام الجمهوري. ما أن بلغ السلطة حتى اعتبر نفسه توأماً لها، لا حياة له من دونها، ولا حياة لها من دونه. إننا نعرف ان الشيخ بشارة الخوري كان أول رئيس استقلالي، وأول من طلب التجديد. غلط. أول من طلبه كان أول الرؤساء، شارل دباس، كما يخبرنا اسكندر الرياشي، بلبل العاصمة.

في ثلث القرن الأخير، سار العالم برمّته الى حتميات التقدم، حتى في أفريقيا. وللمرة الأولى منذ 1914، ثلث اللبنانيين جياع. جميع العالم العربي، إلا الخليج، نحو سوء الاحوال، بما فيه دولة نفطية مثل الجزائر. المفارقة ان تونس بلد محمد بو عزيزي، جائع عربة الفواكه، كانت تتمتع يومها بأفضل نمو اقتصادي في العالم العربي، بينما يذوب في الفساد نفط جارتيها الكبيرتين، ليبيا والجزائر. بعد ثلاثين عاماً، أو اقل، سوف تزول معظم الوظائف والاشغال حول الأرض: مهنة التاكسي، والحلاقين، ومحللي الاقتصاد في هارفرد، ومذيعي الاخبار في الإذاعة والتلفزيون، وثلاثة أرباع أنواع الخدمة وكل ما لا يمكن ان نتخيله أو أن نصدقه.

يستعد العالم لذلك منذ الآن. رؤية 2030 في السعودية تغير معظم معالم الاقتصاد. دبي تستعد للانتقال الى تلبية “العصر الصيني”. مناهج التعليم، بمراحلها، في الغرب، سوف تعدل. والى الآن لم يتبلغ النظام في السودان والجزائر ان “المجتمع الأسير” اصبح شيئاً من الماضي. حتى في زيمبابوي، لم يعد ممكناً حجب الانترنت. كل من يبقى خارج العصر الآتي، سوف يبقى خارج كل شيء. نجم مصر اليوم وفخرها لاعب كرة يدعى محمد صلاح. كل هدف يحققه يوازي ثروة أحمد شوقي على مائة عام. وللمناسبة، أنا أحب احمد شوقي وأحمد رامي وأحمد بهاء الدين، لكن لا علاقة لي بما يحدث اليوم. لقد اصبح الريف وضيعتي وكل ضياع الأرض شيئاً مما مضى. العام 2007 اصبح سكان المدن للمرة الأولى، أكبر من أهل الارياف. وحركة التبضع في مدينة صينية، أو هندية، اكبر منها في اليابان واسبانيا معاً. منذ وصول عمر البشير الى السلطة حتى الآن، انتشلت الصين من قاع الفقر 800 مليون إنسان. سألت صحافياً صديقاً عائد من بيجينغ عن انطباعاته، فقال: “المطاعم ملآنة بالناس، والناس تأكل اشهى الاطباق وجميعهم صينيون”. وقلت مازحاً. “وجميعهم عيونهم مشقوقة”. فقال بكل جديّة: “أبداً. عمليات توسيع العيون في كل المناطق، وتكلف 15 دولاراً”.

دعك من خرافة العرق الآري. المستقبل الآن يصنع في آسيا. وعندما ذهب دونالد ترامب الى هانوي قبل أسبوع لا بد أن بعض الاشياء اختلطت عليه مع نيويورك. هانوي هي أيضاً بطلة من أبطال الحرية في تاريخ مذذاك، الكوكب. هي هزمت أميركا، وهي أيضاً ضحت بملايين الشهداء. لكن منذ بدأت عصراً جديداً. ومع انها بوذية ماركسية لينينية، فقد عملت بقول المسيح: “دعوا الموتى يدفنون موتاهم”. ومضت تحيا.

لقد وجد هذا الكوكب من أجل الحياة. ومن أجل ان تكون في البشر مسرة. والتاريخ سائر مثل النيل، وانت حر في ان تغني له، أو ترقص على ضفافه، او تزرع القطن وتبني بثمنه القصور، كما فعل مواطننا الكبير، الأمير حبيب لطف الله.

اضف رد