الرئيسية / مقالات / التاريخي الذي أبقى جذوة الاستقلال حية

التاريخي الذي أبقى جذوة الاستقلال حية

لعل من حظ لبنان على رغم كل المصائب التي اصابته على مدى العقود الماضية ان يبرز دور البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في مرحلة من اشد المراحل صعوبة في تاريخ لبنان والتي شهدت تكريس الوصاية او بالاحرى الاحتلال السوري للبنان كما كان يسميه صراحة متحدثا عن الامور باسمائها من دون اي مواربة. فعلى رغم ما ناله حتى من اهل البيت المسيحي كونه كان ركنا اساسيا من اتفاق الطائف الذي انهى الحرب في لبنان فيما عارضه احد الافرقاء المسيحيين الاساسيين، فان البطريرك صفير هو من ابقى جذوة الانتفاضة ورفض الوصاية السورية حية في نفوس اللبنانيين عموما والمسيحيين خصوصا حين كانت قياداتهم السياسية مغيبة عن الساحة بفعل النفي كما حصل مع العماد ميشال عون او بفعل سجن الدكتور سمير جعجع. واحدث بادائه السياسي قمة الاستقلال بعيدا من المساومة على اي مبادىء او سعيا الى مكاسب. الرجل ببساطته ووداعته وصراحته كان يمكن الدخول ببساطة الى حضوره من دون بروتوكولات معقدة فهو في متناول الجميع وقد شكل تحديا لكل المناورات السياسية فاختلف عميقا مع الرؤساء والمسؤولين الموارنة في شكل خاص والذين ساوم بعضهم في السياسة لمصالح مختلفة وكان يودون دعما او مواكبة بطريركية من بكركي لكل خطوة من خطواتهم في مرحلة ملتبسة لم تكن لمصلحة لبنان المستقل فابى البطريرك صفير في كل مرة ان تكون الكنيسة في خدمة رئاسة الجمهورية او خدمة السياسيين الموارنة سيما وان انقساماتهم كانت مقتلا للمسيحيين ولبنان. لذلك بقي البطريرك الركن الاهم الذي كان لا بد منه لانطلاق مسار الاستقلال الثاني واليته والركن الذي لا بد منه لاعادة شمل الطوائف اللبنانية ونقطة الثقل لابقاء التواصل الخارجي مع لبنان واثارة اهتمام الدول المؤثرة بلبنان المستقل والسيد. فحين كان البطريرك صفير هو النبض الحي لهذا اللبنان والمقرع للغرب ولـ”ضمير” الدول الفاعلة لم يكن يسهل بذلك ابتلاع لبنان وتناسيه.

حين اعلن رفضه التمديد السوري لاميل لحود لاقاه في المقلب الاخر الرئيس رفيق الحريري الذي قال لـ”النهار” يومها ” ان كلام البطريرك هو بطريرك الكلام”. لم يسر كلام الحريري على موضوع التمديد الذي كان مرفوضا منه كذلك بل على مبدئية للبطريرك صفير ابقته منارة للبنان بجميع طوائفه نحو الاستقلال الثاني منذ انتخابه لسدة البطريركية في العام 1986. فكان اعتراضه مبكرا على الاتفاق الاميركي السوري لـ”تعيين رئيس الجمهورية في العام 1988 امتدادا حتى تنحيه عن سدة البطريركية في 2011. كان الالتقاء اللبناني اللبناني اي المسيحي السني والدرزي والشيعي الاشد وطأة على النظام السوري انذاك كونه يعطي ثقلا وطنيا لموقف بكركي فيما كان يريده صوتا وحيدا معزولا وان كان يستمر طرق ابواب احتلاله بانتظام واصرار في كل المجالات من قانون الانتخابات الى انتخابات الرئاسة الى الممارسة السياسية اليومية الى استمرار تسليح الميلشيات. ادرك صفير باكرا انه الصوت الصارخ في برية الاحتلال حين جن جنون السوريين لدى زيارة الرئيس نبيه بري له في اوائل التسعينات ثم في مصالحة الجبل واخيرا في لقاء البريستول ما شكل احد عوامل اغتيال الرئيس الحريري. ففي ظل صعوبة ان يصرخ السياسيون من الطوائف الاخرى كان البطريرك صفير مدركا انه يقاوم بالنيابة عن الجميع وباسمهم وليس فقط باسم المسيحيين. 

اضف رد