“البوعزيزي” انتخابي؟!


نبيل بومنصف
النهار
24012018

يخال متابع مواقع التواصل الاجتماعي غداة انفجار الغضب الواسع حول اجتياح النفايات الساحل الكسرواني ان ثورة حقيقية تعتمل بعمق في مختلف المناطق اللبنانية وتنتظر من يشعل فتيلها الاول اي انها في حاجة الى “محمد البوعزيزي” لبناني يطلق نفير ثورة على غرار الثورة التونسية التي اطلقها مشعلا النار في ثيابه وجسده. قلنا “يخال” وليس أي توصيف آخر لان اللبنانيين اثبتوا مرات ومرات انهم أبناء اللحظة العارضة بامتياز مع قطع بين ما يسبقها وما يلحقها بما يعني بوضوح اكبر انهم امتهنوا وأدمنوا تقديم صورة المواطنين “الردفعليين” للحظة لا أكثر ولا أقل.وما يجعل هذا الواقع يقفز الآن بقوة الى واجهة التدقيق في احوال اللبنانيين وتطور طبائعهم الاجتماعية والتعبيرية هو الوقوف الجدي عند مدى اتساع هوامش التغيير لديهم والاتجاه نحو خيارات سياسية تغييرية فعلا في الانتخابات النيابية المقبلة. قد تصح المفارقة الغريبة ان تجعل من كسروان نموذجا لمعاينة غضب شعبي عارم حيال اجتياح القذارة ساحل منطقة تتباهى بكونها تقيم على إرث عريق من الجمالات الطبيعية وباتت عرضة للاعتداءات المنهجية البيئية والتشويهية ناهيك عن معاناتها من أزمات إنمائية وخدماتية وسياحية أخرى تشكل وحدها منظومة اسباب ودوافع وحوافز ثورية لتغيير سياسي جذري. لكن هل نجرؤ على توقع القليل من كل ما أسلفنا في سياق تغيير لا يرقى الى انقلاب سياسي جذري بل الى القليل منه على الاقل؟ نأخذ كسروان عينة لكون حدث بيئي اعتراضي طلع الآن في لحظة احتدام والتباس سياسية تقف فيها البلاد امام فوضى انتخابية عارمة ستنطلق بأقصى مظاهر الشعبوية بعد حين وتضيع معها معالم الاتجاهات التغييرية الحقيقية والنادرة مع معالم التجييش الانتخابي بكل ما خف حمله وغلا ثمنه. يحمل لبنان الراهن مخزونا من تراكم الازمات والملفات التي تعود في معظمها الى تهميش خدماتي وانمائي وفساد سياسي وسلطوي ومؤسساتي لا شبيه له في العالم بما يكفي لاستنباط مئات المعارضات المتنوعة والمختلفة الاتجاهات والمشارب. بل يكاد المراقب من بعد يستهجن الا يكون لبنان كله معارضة لاهبة تأكل أخضر السياسات السابقة الفاشلة ويابسها وتقيم فوق هياكلها معالم دولة حديثة بالحد الطبيعي المعقول لشعب يتباهى بكونه من أكثر شعوب العرب تحضرا وانفتاحا وثقافة ورفضا للتخلف بكل مظاهره. فاذا بظاهرة لبنانية مديدة لا تفسير منطقيا لها تتكرر عند كل استحقاق وكل فرصة تغييرية تعيد رسم أسوأ علامات التكلس على الواقع اللبناني وتبقي زعامات وأحزاب وقوى موصومة بكل أمراض التركيبة التي اوصلت لبنان الى درك البلدان الاكثر مديونية وفسادا في العالم حاكمة ومتحكمة الى ألابد. بين قانون انتخابي يفتح نسبيا نافذة التغيير ولكنه يعقد آلياته، واختبار قد يغدو إنقلابيا ان إقتصر التغيير على فئات وظل التكلس سيد الموقف عند فئات أخرى لا حل وسطا او خيار ثالثا سوى الخيارات الجذرية. ولكننا لسنا متوهمين!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*