الرئيسية / home slide / البنوك المركزية العالمية تواجه أزمة كبيرة

البنوك المركزية العالمية تواجه أزمة كبيرة

08-07-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

مروان اسكندر

مروان اسكندر

علامة اليورو في المقر السابق للبنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت ، ألمانيا (أ ف ب)..

سنويًا يجتمع حكام المصارف المركزية لمراجعة السياسات المطلوبة إما للإسهام في استمرار النمو وإما لتفادي الانغماس في البطالة والتضخم، وكلا الأمرين غير مرغوب فيه.

استعدادًا لمؤتمر هذه السنة الذي انعقد في عاصمة البرتغال قرأنا مذكرات طويلة لحاكم #المصرف المركزي الاميركي، وقبله لحاكمة المصرف المركزي الاوروبي، وحاكم المصرف المركزي الالماني، وجميع الدراسات والتعليقات التي تتركز على مديونية البنوك المركزية وتهديدها لمستقبل العلاقات الاقتصادية والنقدية بين البلدان الرئيسية تعبّر عن مخاوف، وقد لحقت بالمخاوف خطوات في رفع معدلات الفوائد والحسم في الولايات المتحدة، وقريبًا يُعقد مؤتمر للبنك الاوروبي للتنمية لإنجاز قرارات مماثلة، والجميع يخشون نتائج رفع اسعار الفائدة. والحكام المذكورون، اضافة الى حاكم البنك المركزي البريطاني، يعتبرون ان اقرار السياسات المطلوبة لانقاذ الاقتصاد مهما كانت باهظة سيعوّضها النمو في حالة الاستقرار واستعادة العافية.

صاحب القول No Matter What It Takes هو ماريو دراغي الذي رأس البنك المركزي الاوروبي وانتقل في نهاية عهده الى رئاسة وزراء ايطاليا وأفسح في المجال لرئيسة صندوق النقد الدولي الفرنسية كريستين لاغارد لترؤس البنك الاوروبي…

القول الشهير لماريو دراغي والذي مهّد لانقاذ اليونان بقرض يبلغ 333 مليار يورو، اعتُبر من قِبل الاميركيين تسهيلا يتجاوز ما هو مطلوب، ومع ذلك تجاوبوا مع قوله بل هم تجاوزوا حدود انقاذ المصارف واسهموا في انقاذ الشركات الكبيرة. فشركة التأمين الاميركية المملوكة اسهمها من مجموعة اميركية في المقام الاول، ورغم تأسيس مركز عملها الاساسي في برمودا حيث هنالك تسهيلات ضريبية، احتاجت الى قرض على مستوى 180 مليار دولار تأمّن لها من السلطات الاميركية.

اليوم في المؤتمر الذي انعقد في عاصمة البرتغال، طالب رئيس البنك المركزي الاميركي زملاءه بتبني سياسة مماثلة لتلك التي اقرها دراغي، وبدلاً من التعبير السابق اضاف حاكم البنك المركزي الاميركي علنيًا تأمين كامل التمويل لتجاوز المرحلة المقبلة، مشيرا الى ان البنوك المركزية اعتمدت سياسات انفلاشية لمحاربة تأثير انتشار وباء كورونا، وهو يرى ان المطلوب حاليًا يتجاوز ما اقر سابقًا، وان التلكؤ في اتخاذ قرارات توسيع التسهيلات وتعميمها سيؤدي الى ازمة عالمية قد لا يتحملها العالم الصناعي وبالتأكيد العالم النامي.

الموقف الاميركي اليوم يتلخص في المحافظة على معدلات التضخم، ومساندة اعادة النشاط ومعالجة الخلل في توافر الإقراض الرخيص والمتوسع، ويجب ان يكون برنامج البنك المركزي الاميركي متشددًا تجاه التضخم. وبما ان هذه المعدلات لا يمكن الجزم بشأنها يجب مقاربتها والابتعاد عن اعلان سياسات لزيادة اسعار الفائدة والحسم في تواريخ محددة سلفًا.

قليلون يتذكرون ان الاتحاد السوفياتي تفكك في العام 1992، وكان الرئيس بوريس يلتسين يتمسك بسياسات انفلاشية اسهمت في بيع اسهم العديد من الشركات الاساسية بأسعار رخيصة تبدو وكأنها شجعت الدول الاخرى على التمهل في اتباع سياسات كهذه.

انجز اقتصادي ياباني مقيم وعامل في الولايات المتحدة كتابًا حاز شهرة عالمية اسمه بالإنكليزية The End of History And The Last Man. نظرية الكتاب التي اعتنقها اقتصاديون بالعشرات والمئات والالوف ان عهد سيطرة قطبين على سياسات العالم قد انقضى. فالاتحاد السوفياتي خسر موقعه بتبعثر جمهورياته والمثل الاميركي هو السبيل الافضل لتحقيق الرفاه والنمو ومؤازرة الثورة الالكترونية في توسيع دورها بحيث تصبح البديل من الثورة الصناعية.

تنبؤات فوكوياما واجهت الفشل الكبير حينما واجه العالم ازمة مالية عام 2008 و2009. فتلك الازمة لم يكن من الممكن معالجتها إلا باتباع سياسات هي اقرب ما تكون الى السياسات الروسية، أي تخصيص مبالغ ملحوظة لمشاريع كبرى وتسهيل عمليات الاقراض والانفتاح على الاسواق العالمية. والواقع ان روسيا حتى بعد انفراط عقد الاتحاد السوفياتي تمكنت من استعادة تكوين احتياطها عام 2005 وحدّثت ترسانتها الحربية المتطورة واستعادت اهتمام العالم وانضمت الى مجموعة الدول السبع التي اصبحت مجموعة الـ 8.

قادة الشركات الكبرى والدول الاهم اقتصاديًا كانوا مغيّبين عن ملاحقة تطورات الاقتصاد الصيني، والواقع ان الاقتصاد الصيني، على اساس مستويات الاسعار، تجاوز حجم الاقتصاد الاميركي منذ سنتين، واصبحت الصين باستثماراتها الخارجية البلد الاكبر عالميًا، والاكثر تأثيرًا.

أخيرًا أحسّ الاميركيون بالتحدي الاقتصادي والتقني الصيني، فاستعملوا حجة الدفاع عن اوكرانيا لجمع الدول الصناعية واتخاذها موقف معاقبة روسيا، وهذه النفسية السائدة التي ترفض الاقرار بانحسار التأثير الاميركي اخذت بالتوسع حتى تجاه الصين واقرار كبريات الدول الرأسمالية برنامجًا لتحميل الصين خسائر بقيمة 700 مليار دولار سنويًا بتخفيض صادراتها بهذه النسبة.

العالم بدأ يتجه نحو قطبين كما كان حتى عام 1992، وبدلاً من روسيا حلّت الصين في موقع المنافس الاهم، والاميركيون لا يدركون ان مصالح الصين مع روسيا تفوق بكثير تأثير عقوباتهم، والعديد من الدول الصناعية تستشعر ان الاندفاع الاميركي هو لاستعادة السيطرة على الشؤون العالمية، لكن العالم تغير. فالصين الدولة الاكبر والاهم في الصناعات الالكترونية، وروسيا هي الدولة الاهم في تأمين الغاز الضروري لعمليات التصنيع وانتاج الكهرباء، ولا بد من اعادة التوازن الى العلاقات الدولية إن كان العالم يريد ان يستعيد نموه، ونشاطه وتنوّع سياسات الاستقرار لمواطنيه.