الرئيسية / home slide / البنك الدولي: لبنان يغرق… التعافي يحتاج 19 عاماً

البنك الدولي: لبنان يغرق… التعافي يحتاج 19 عاماً

عماد الشدياق – الأربعاء 02 حزيران 2021
https://www.asasmedia.com/news/389284

“لبنان يغرق”، يقول تقرير البنك الدولي الذي عنونه: “مرصد الاقتصاد اللبناني لربيع 2021”.

الأخبار الجيدة أنّ أفضل التقديرات تعطينا 12 عاماً فقط (!) لنخرج من حالة الغرق هذه. هذا إذا لم ينخفض الناتج القومي في لبنان أكثر من 35 % نهاية هذا العام عما كان عليه في 2017. أما الأخبار السيئة، أن أسوأ التقديرات تعطينا ما لا يقلّ عن 19 عاماً لنخرج من نفق الأزمة، إذا انخفض الناتج القومي 40 % نهاية العام المقبل.

في الحالتين، نهاية العام الجاري، قد يصل لبنان إلى Top 10، بين أسوأ الأزمات المالية في تاريخ البشرية، منذ عام 1850. والأسوأ، أنّنا سنحتلّ المرتبة الثالثة، بعد أزمة تشيلي (1926) وأزمة إسبانيا بعد الحرب الأهلية (1936).

وفي الحالتين، فإنّ الأطفال في عمر الخمس سنوات اليوم، سيتخرّجون من الجامعات وهم يعيشون واحدة من أسوأ الأزمات المالية في تاريخ البشر. وبالتالي فإنّ أبناء جيلين على الأقلّ، إضافة إلى الجيلين الموجودين في سوق العمل حالياً، سيدفعون ثمن ما اقترفته أيدي السياسيين والمصرفيين.

التقرير يتخذ من العام 2017 “سنة مرجعية” ليقيم محاكاةٍ يحاول من خلالها تلمّس طريق العودة إلى التعافي. للمفارقة هي السنة نفسها التي يعتبرها مصرف لبنان سنة “انطلاق الأزمة”، وهي تحديداً السنة التي أُقرّت خلالها “سلسلة الرتب والرواتب”، والتي تغنّت حكومة العهد الأولى (حكومة الرئيس سعد الحريري) بأنّها إنجازاً يُسجّل لها في حينه.

في الحالتين، نهاية العام الجاري، قد يصل لبنان إلى Top 10، بين أسوأ الأزمات المالية في تاريخ البشرية، منذ عام 1850. والأسوأ، أنّنا سنحتلّ المرتبة الثالثة، بعد أزمة تشيلي (1926) وأزمة إسبانيا بعد الحرب الأهلية (1936)

يكشف التقرير أنّ لبنان مصابٌ بـ”الانقباض القاسي والسريع”، الذي غالباً ما يصيب الدول التي “تشهد نزاعات وحروباً”، وهذا يعني، في الترجمة العملية لواقع الأزمة، أنّنا نعيش في ما يشبه مفاعيل “حرب بلا قتال”.

إذاً، بناتج إجمالي محلّي متراجع من 55 ملياراً إلى 33 ملياراً بين 2018 و2020 (أي بتراجع تبلغ نسبته 60%)، وبناتج الفرد الذي تراجع 40%، يرى البنك الدولي أنّ لبنان أمسى “دولة الهشاشة والنزاعات والعنف”، حيث الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة المتردّية، تهدّد بـ”انهيارٍ ممنهج” سينعكس حكماً على المستويين الإقليمي والعالمي… وكلّ ذلك وسط غياب أيّ بارقة أمل تلوح في الأفق قادرة على توصيل لبنان إلى برّ التغيير، وبسبب ما يعتبره التقرير “تقاعس السلطة المتعمّد” عن رسم السياسات الملائمة.

واجهت السلطات اللبنانية وابلَ الأزمات بسياسات “غير ملائمة عمْداً”، لا لنقص في المعلومات أو خطأ في التوجيهات، بل نتيجة “توليفة من عوامل عدّة”، منها غياب الإجماع السياسي على المبادرات الفعّالة، وإصرار السلطة على الدفاع عن “نظام اقتصادي مُفلس” استطاع عدد من السياسيين الاستفادة منه لفترة طويلة.

يحسم التقرير موقفه من الحكومات المتعاقبة، فيعتبر أن لا سلطة تنفيذية في لبنان تعمل بشكل كامل، مشيراً إلى الفراغ الحكومي المستمرّ منذ نحو 8 أشهر، والذي يرفع منسوب الأزمة اليوم سريعاً، من مستوى “صعب” إلى مستوى “مأساويّ”، إذ يُرجِّح التقرير أن يُمسي أكثر من نصف السكان دون خطّ الفقر.

فمن جهة، يشهد المواطنون، الذين يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية، وهم الأغلبية الساحقة، تراجعاً بالغاً في قدرتهم الشرائيّة. وتشير مسوحات، أجراها “برنامج الأغذية العالمي” أواخر عام 2020، إلى أنّ 41% من الأسر اللبنانية يصعب عليها الحصول على المواد الغذائيّة، وتعجز عن سدّ حاجاتها الأساسيّة الأخرى.

ومن جهة أخرى، ارتفعت نسبة الأُسر التي تواجه صعوبات في الحصول على الرعاية الصحيّة من 25% قبل الأزمة إلى 36% اليوم. وارتفع معدّل البطالة في صفوف المشمولين بالمسح، من 28% قبل كورونا، إلى نحو 40% في نهاية 2020.

يحفل لبنان، بحسب التقرير، بتاريخ من النزاعات والحروب الأهليّة. وها هو “يواجه اليوم مخاطرَ واقعيّة تُهدّد سلمه الاجتماعي الهشّ أصلاً. وعلى رأس هذه المخاطر، يتربّع عنصران على علاقة متكافلة، ويتغذّى أحدهما من الآخر، وينموان معاً، وهما من بين القيود الأساسية التي تعيق أيّ عملية تنمية في لبنان:

الأول: الحكم الطائفي الذي يولي الحكم إلى نخب تستخدم الطائفية ذريعةً وقناعاً لها.

الثاني: النزاعات والعنف الناجمان جزئياً عن صراعات واسعة في منطقة الشرق الأوسط”.

يحسم التقرير موقفه من الحكومات المتعاقبة، فيعتبر أن لا سلطة تنفيذية في لبنان تعمل بشكل كامل، مشيراً إلى الفراغ الحكومي المستمرّ منذ نحو 8 أشهر، والذي يرفع منسوب الأزمة اليوم سريعاً، من مستوى “صعب” إلى مستوى “مأساويّ”

يلحظ التقرير، في خلاصته، ارتفاع منسوب الغضب الشعبي، فيعرّج على التظاهرات التي شهدتها المدن اللبنانيّة، احتجاجاً على الظروف الاقتصاديّة المتردّية، حيث قُطعت الطرق الحيويّة وأُعيقت التنقّلات، وتعثّر كسبُ لقمة العيش، وارتفع معدّل الجريمة… وهذا كلّه بات يهدّد سلم اللبنانيين وأمنهم.

ترافقت هذه الاضطرابات المجتمعية مع اضطرابات من نوع آخر، ماليّة ونقديّة، تقاطعت وتفاعلت مع أسعار الصرف المتعدّدة، والتضخّم، وأحجام الكتل النقديّة. فقد شهد سعر صرف الدولار تقلّبات حادّة، فتجاوز مؤقّتاً 15 ألف ليرة لبنانيّة، قبل أن يتراجع إلى 13. وأثّر كلّ هذا على أسعار السلع، فتضخّمت أسعارها نحو 84.3% عام 2020، وزاد حجم الكتلة النقدية المتداولة بنسبة 197%، وتراجعت تراخيص البناء 26.9%، وتدنّت كميّات الإسمنت المسلَّمة 44.7%، خلال الأشهر العشرة الأولى من 2020.

وتعرّض قطاع السياحة لضربة قويّة بسبب فيروس كورونا، فتراجع عدد المسافرين الوافدين بنسبة 71.5% على مدى الأشهر الخمسة الأولى من عام 2020، مقارنة بالعام الحالي.

ولفت التقرير إلى “خطة القطاع المصرفي التي أعدّها “لإنقاذ نفسه”، وذلك من خلال وضع سياسة إصلاحية تشمل أصولاً تملكها الدولة، واحتياط الذهب والعقارات العامة، وكان الهدف منها “إصلاح ميزانيّات المصارف الضعيفة”، معتبراً أنّ ذلك “ينقذ القطاع الخاص على حساب القطاع العام، ولا يتماشى مع مبادئ إعادة الهيكلة التي يُفترض بها أن تحمي دافعي الضرائب”.

هي صورة لا تقلّ سوداوية عما نعيشه يوماً بيوم. ويتلاقى هذا المشهد الأسود مع ما تنبّأ به “مرصد الأزمة” في “الجامعة الأميركية في بيروت”. وتضاف إليهما على السواء الأخبار التي تتواتر عن تعثّر عملية تشكيل الحكومة، فيتأكّد المؤكّد الذي ورد في التقرير عن تعمّد السلطة السياسية إغراق لبنان…