الرئيسية / مقالات / البلطجة الفكرية وخدّام الاستبداد ـ 2

البلطجة الفكرية وخدّام الاستبداد ـ 2

 جلبير الأشقر 
القدس العربي
25122019
https://www.alquds.co.uk/

بعدما نشرت جريدة «الأخبار» يوم الإثنين في 16/12 صفحتيها المكرّستين للتشهير بي واللتين علّقتُ عليهما تعليقاً أولياً في اليوم التالي في مقالي الأسبوعي في «القدس العربي»، كتبتُ ردّاً مفصّلاً على افتراءات صحيفة «الممانعة» وطلبتُ من رئيس تحريرها أن ينشره عملاً بحق الردّ الذي يكفله قانون المطبوعات اللبناني. وقد نشرت «الأخبار» ردّي في عددها الصادر يوم الإثنين في 23/12 بعد أن حذفت فقرة في بدايته بحجة أنها لا تتعلّق بمضمون الردّ (مقالي منشور كاملاً غير منقوص على موقع مجلة «بدايات» التي يرأس تحريرها الصديق العزيز فوّاز طرابلسي، وأيضاً على موقع مجلة «رمّان» الإلكترونية).

وقد أحاطت «الأخبار» ردّي بنصّين: مقالة لوليد شرارة سبقت الردّ وقد ناقش كاتبُها مواقفي بصورة هادئة ومهذّبة، وإن كانت مغلوطة في نظري، وفقرة طويلة تَبِعت ردّي تحت عنوان «ردّ على الردّ» وتضمّنت رطلاً جديداً من الشناعات موقّعاً هذه المرّة باسم «التحرير». وأرجّح أن يكون كاتب الفقرة الأخيرة هو ذاته الذي هندس الصفحتين المخصّصتين لهجائي وحرّض بصيغة مبطّنة على الهجوم على الندوة التي كان مزمعاً أن أحييها في بيروت، وقد نوّهت به قبل أسبوع في تعليقي الصادر في «القدس العربي». ومن طرائف الأمور أن الصحيفة رأت أن تزيّن الصفحتين الجديدتين برسم جاءت تحته عبارة بالإنكليزية تعني: «إن حدود الطغاة يعيّنها صمود من يتعرّضون لاضطهادهم»، وهي عبارة ملائمة تماماً لموقفي إزاء الافتراءات التي أتعرّض لها من طرف أنصار الطغاة.

طالما نبذتُ المنطق المضلّل الذي يدعو إلى اعتبار «عدوّ عدوّي صديقي» وأن المنطق الذي طالما حكَمَ مواقفي يستند بصورة أساسية إلى حقّ الشعوب في الحرية والديمقراطية والعيش الكريم كما شرحتُ مطوّلاً في كتابي «الشعب يريد»

أودّ هنا أن أعلّق على مقالة وليد شرارة التي تستحق الردّ لرصانتها. فبعد أن أثنى صاحبها على مواقفي السابقة لسنة 2011، شرح ما يمكن تلخيصه بكلام واضح وصريح بالقول إنني لم أعد أرى منذ بداية «الربيع العربي» أن مواجهة الإمبريالية الأمريكية وحليفتها الصهيونية هي الاعتبار الرئيسي الذي يجب أن تخضع له كافة الاعتبارات الأخرى بحيث ينبغي دعم النظامين الإيراني والسوري «الممانعين» ضد انتفاضات شعبي بلديهما. هكذا يصل شرارة إلى الخلاصة التالية: «يحلّق الأشقر فوق جميع هذه المعطيات، لا يأتي حتّى على ذكرها، ويرنو بنظره إلى البعيد، حيث ستستأنف «السيرورة الثورية» (العربية) بمعزل عن القوى القديمة «المضادة للثورة»، حتى ولو كانت على حافة الحرب مع أمريكا وإسرائيل. ولكن أيّة ثورة هي تلك غير المعنيّة بالصراع مع إسرائيل والهيمنة الأمريكية على المنطقة وشعوبها ومقدراتها؟»
طبعاً، يعلم كل من قرأ كتبي وتابع مقالاتي، لاسيما مقالاتي الأسبوعية في «القدس العربي»، أن قسماً كبيراً منها مكرّسٌ لمناهضة الدولتين الأمريكية والصهيونية، وهذا أمرٌ لم يتبدّل بعد عام 2011 على الإطلاق. وما لم يتبدّل أيضاً هو أنني لم أكفّ أبداً عن نقد الأنظمة والجماعات التي تَستُر طبيعتها الرجعية والاستبدادية وراء التذرّع بمواجهة أمريكا وحليفتها. وهذا ينطبق على النظامين الإيراني والسوري اللذين لم أنفكّ لحظة واحدة عن نقدهما منذ نشوئهما، كما ينطبق على «حزب الله». فبينما يشيد وليد شرارة بالكتاب الذي نشرته غداة العدوان الصهيوني على لبنان في عام 2006، يتغافل عن أنني انتقدت فيه الحزب بوصفه حزباً دينياً وطائفياً وسنداً للنظام النيوليبرالي في لبنان، ذلك النظام بالذات الذي هبّت ضده «انتفاضة 17 تشرين الأول» (أكتوبر) اللبنانية.
وكذلك يأخذ شرارة عليّ أنني أعارض الإمبريالية الروسية مثلما أعارض منافستها الأمريكية، فيقول: «عندما شنّت الولايات المتّحدة حربها الإجرامية على فييتنام أو على العراق أو على غيرهما من البلدان، لم تفعل ذلك لأنّها كانت تتعرّض للاحتواء والتطويق من قبل قوة دولية أخرى، كما كان حال روسيا عندما تدخّلت في سوريا». بهذا المنطق، كان ينبغي علينا أن نؤيد الحملة الإجرامية التي شنّتها الإمبريالية الروسية على شعب الشيشان والتي سادها منطقٌ مُفعم بالعداء للإسلام، وقد قادها فلاديمير بوتين نفسه عندما كان لا يزال رئيساً للوزراء في ظل رئاسة بوريس يلتسين. كان علينا أن نؤيد تلك الحملة، أو نسكت عنها على الأقل، بحجة أن روسيا كانت ولاتزال «تتعرّض للاحتواء والتطويق». وكذلك ينبغي علينا اليوم بحسب المنطق ذاته أن نؤيد الاضطهاد القبيح والمقزِّز الذي تمارسه الصين إزاء شعب الأويغور (إيغور) في سنجان (شنجيانغ) والمُفعم هو أيضاً بالعداء للإسلام، أو نسكت عنه على الأقل، بموجب الحجة نفسها وهي أن الصين «تتعرّض للاحتواء والتطويق».
فما يصعب على وليد شرارة فهمه، كما يبدو، هو أنني طالما نبذتُ المنطق المضلّل الذي يدعو إلى اعتبار «عدوّ عدوّي صديقي» وأن المنطق الذي طالما حكَمَ مواقفي يستند بصورة أساسية إلى حقّ الشعوب في الحرية والديمقراطية والعيش الكريم كما شرحتُ مطوّلاً في كتابي «الشعب يريد». فأعارض الإمبريالية الأمريكية من هذا المنطلق بالذات مثلما أعارض الإمبريالية الروسية، وكما أعارض النظامين السعودي والإيراني كليهما وهما يمارسان أبشع أنواع الاستبداد على شعبيهما وشعوب أخرى بذرائع دينية وقومية. هذا ولا يمنعني قط وقوفي مع «حزب الله» ضد أي عدوان صهيوني من أن أعارض بشدّة تدخّله في سوريا وهو تدخّلٌ مضادٌ للثورة، ولن تَحول مناهضتي للصهيونية أبداً دون معارضتي للنظام الطائفي والرأسمالي الفاحش القائم في لبنان والذي بات الحزب اليوم أكبر ركائزه.
كلمة أخيرة للوم وليد شرارة على اتهامه لي بـ«التعاطف» مع لقمان سليم ومكرم رباح، اللذين نعتهما بأنهما من «أيتام رامسفيلد وبولتون» وأخذ عليّ «التضامن» معهما «في مواجهة من يطالب بالتصدّي لأطروحاتهما». والحال أن ما كتبتُه في ذكر الرجلين ليس سوى ما يلي: «مهما كان الاختلاف مع مكرم رباح أو لقمان سليم…، فإن الفكر يُردّ عليه بالفكر، ولا يلجأ إلى القوة للحؤول دون المناقشة سوى المعتادين على البطش وأنصار الدكتاتوريات على غرار العصابات الفاشستية وشبّيحة أنظمة الاستبداد الإقليمية على اختلاف أنواعها». فمن يرى في ذلك الكلام تعاطفاً مع المذكورَين، إنما لا يفهم المبدأ الديمقراطي الأساسي الذي لخصّته روزا لوكسمبورغ بقول شهير: «إن الحرية المقتصرة على أنصار الحكومة فقط وأعضاء حزب واحد دون سواهم، مهما كان عددهم، ليست حرية على الإطلاق. فإن الحريةَ دائماً وحصراً حريةُ من يفكّر بشكل مختلف.»

تعقيبٌ أخير وقصيرٌ جداً على ما جاء باسم «التحرير» في ذيل ردّي كما نشرته «الأخبار». فهو لا يستحق الإجابة إذ لا يعدو كونه كوماً من الشتائم تبدأ باتهامي بمرَضيّ «البارانويا» و«النرجسية» النفسييْن وتنتهي باتهامي بأنني لا أمانع من «التحالف مع الإمبريالية». مثل هذا السباب الموتور والافتراء المكشوف يفصح عن عجز صاحبه عن النقاش وينسجم تماماً مع البلطجة الفكرية التي وصفتها في مقالي السابق ويؤكّدها.

* كاتب وأكاديمي من لبنان

اضف رد