الرئيسية / أضواء على / البطريرك صفير ونقائض لبنان: بين ماض من الزمان وآت!

البطريرك صفير ونقائض لبنان: بين ماض من الزمان وآت!

صبحي حديدي
القدس العربي
10052019

خلال النصف الثاني من شهر أيلول (سبتمبر) 2000، كان ماضي لبنان قد شهد واقعتين مترابطتين، تحمل كلّ منهما مغزى بالغ الخصوصية في حاضر البلد، هذه الأيام تحديداً. الأولى، والأدنى مغزى، هي قرار مدّعي عام التمييز، القاضي عدنان عضوم، بإحالة ملفّ العماد ميشيل عون، قائد الجيش السابق و«المعارض» الفارّ في فرنسا، إلى المحقق العدلي؛ واتهامه بـ«جرائم» اختطاف سلطة سياسية وعسكرية، والسيطرة على مؤسسات الدولة ومنشآتها، والتسبب بالاقتتال الطائفي، والاعتداء على أمن الدولة الداخلي. الواقعة الثانية، والأهمّ بلا منازع، وقعت قبل 24 ساعة من قرار القاضي عضوم، وكانت البيان التاريخي الذي أصدره مجلس المطارنة الموارنة، تحت قيادة البطريرك نصر الله صفير؛ حول قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية داخلية، تضمنت أيضاً كسر محرّم كبير هو المطالبة بانسحاب جيش النظام السوري من لبنان.
اليوم يتربع عون، مرتكب الجرائم السابق حسب القاضي عضوم، على رأس الجمهورية اللبنانية العتيدة؛ متزعماً كتلة كبرى من المسيحية المارونية، ومنخرطاً في تحالفات لبنانية («حزب الله» أوّلاً)، وإقليمية (النظام السوري)، ليست نقيض الماضي، فحسب؛ بل تستحقّ اعتبارها «عكس الطبيعة» المارونية، إذا جاز هذا التوصيف. وإذْ ينتظر صفير استحقاق الرحيل عن هذا العالم، على أعتاب مئة سنة من عمر حافل، فإنّ خلفه بشارة بطرس الراعي لم يكفّ عن العمل الحثيث لطيّ صفحة نداء الموارنة منذ أن تمّ ترسيمه، واعتنق ويواصل اعتناق نقائضه في معظم الملفات التي أثارها ذلك النداء. ولقد اشتُهر الراعي بأنه سيّد التصريحات التي «يُساء فهمها»، سواء تحدّث عن مكانة «حزب الله» في الحياة السياسية والعسكرية اللبنانية، أو تخوّف من الانتفاضة الشعبية في سوريا لأنّ سيطرة «جماعات متطرفة» على الحكم هناك سوف يؤدي إلى تهجير مسيحيي البلد.
التقلبات في مواقف عون، وهي أشبه بانقلابات رأساً على عقب في واقع الأمر، لا تُعدّ ولا تُحصى؛ ولعلّ احتساب بعضها هنا ليس أكثر من مسعى «إحصائي»، على مستوى التلفظ واللغة، لحال انحطاط منهجية متعاقبة ومتراكبة: في سنة 2015 اعتبر عون أنّ هذا المجلس النيابي غير شرعي ولا يجوز له انتخاب رئيس للجمهورية (لكنه بات شرعياً تماماً حين انتخب الجنرال)؛ وهو صاحب الأمنية الشهيرة: أن يكون «جندياً صغيراً في جيش حافظ الأسد العظيم»، هو الذي سوف يتباهى بعدئذ بأنه صانع «قانون محاسبة سوريا» في الكونغرس الأمريكي؛ هذا فضلاً عن اللقطة الأشهر الذي تُظهره وهو يصافح قائد جيش الاحتلال الإسرائيلي، خلال اجتياح لبنان سنة 1982.
وليست الحصيلة المزرية التي يعيشها لبنان في ظلّ رئاسة عون هي التي تستدعي هذا المسعى الإحصائي، فالأمور هنا فاقت في انجلائها أية محاولة للتبيان أو التبيين؛ إذْ أنّ مباذل الجنرال إذا انحسرت قليلاً هنا أو هناك، فإنّ صهره وزير الخارجية كفيل بإعادة تشغيلها، أو حتى إعادة تدوير القديم منها. ما يستدعي التوقف عند عون في هذه السطور هو الرابطة القديمة التي تحيل إلى بيان المطارنة الموارنة، وإلى الصلات بين ماضي المارونية السياسية المعارِضة وحاضرها؛ على خلفية تبدّل الولاءات وتحوّل الانحيازات، وما استتبعته من اختلاط في الأوراق والأدوار.
في لبنان مطلع القرن، كان مسمّى «الأحزاب والقوى اللبنانية القومية» يضمّ التالي: الطاشناق، حزب البعث، حزب الكتائب، حزب الله، الحزب السوري القومي الاجتماعي، حزب الاتحاد، التنظيم الشعبي الناصري، حركة أمل، رابطة الشغيلة، اللجان والروابط الشعبية، جمعية المشاريع الخيرية، حزب التضامن، القوات اللبنانية، حزب الرامغفار، حزب الهنشاك، المرابطون، الجبهة الوطنية، المؤتمر الشعبي، الحزب الديمقراطي، التنظيم القومي الناصري… وهذه توافقت على أنّ التمديد ثلاث سنوات للرئيس اللبناني، آنذاك، إميل لحود: «أملته المصلحة الوطنية والقومية»؛ وأنّ «الاستحقاق الرئاسي اللبناني شأن لبناني ــ قومي بامتياز».

كيف أمكن لكنيسة، مارونية هنا، أن تعبر ذلك الخطّ الأحمر الذي رسمه النظام السوري؛ في موازاة قوى ظلت قابعة خلف ذلك الخطّ، صامتة مستسلمة أو مطبّلة مزمّرة

لكنّ نصف الأحزاب والقوى في هذه اللائحة قاتلت، عسكرياً وليس سياسياً فقط، ضدّ التدخّل العسكري السوري في لبنان أثناء الأطوار الأولى من الحرب الأهلية اللبنانية. نصفها، أيضاً، تقاتلت في ما بينها وخاضت حروب ميليشيات وعصابات ومافيات، كان الشعب اللبناني بمختلف طوائفه وفئاته وطبقاته ضحيّتها الأولى، إذا لم يكن ضحيْتها الوحيدة. معظمها تبارى في التعريض بهذا الرئيس، والكثير منها تعهد بمعارضة تعديل الدستور وعدم المشاركة في مهزلة التمديد. لكنّ هراوة عنجر، التي لوّح بها رستم غزالي، رئيس استخبارات النظام السوري، جعلت «حزب البعث» يعانق «القوات اللبنانية»، وحوّلت «الكتائب» إلى شريك مع «حزب الله»، وأقامت أخوّة سياسية بين «حركة أمل» و«رابطة الشغيلة»!
في المقابل، يستوجب التاريخ وضع نداء المطارنة الموارنة في موازاة بيان هذه اللائحة، بل أن يضعه على الطرف النقيض تماماً: مرجعية دينية تناصر الدستور والديمقراطية وحقوق المواطن، ومرجعيات تمثلها أحزاب وقوى ومجموعات ومنظمات «وطنية» و«قومية» و«تقدّمية» تقف في الخندق المضادّ وتدعو إلى العكس تماماً. ومن جانب آخر، هذا مجمع مطارنة بدا حريصاً على لقمة عيش المواطن اللبناني، وكرامته وحرّياته وحقوقه، قبل دستوره ومجلسه النيابي ورئاسته؛ أكثر من حرص أولئك الذين رفعوا ذات يوم رايات الدفاع عن «المستضعفين» و«الفقراء» و«الصيّادين» و«مزارعي التبغ». وكيف أمكن لكنيسة، مارونية هنا، أن تعبر ذلك الخطّ الأحمر الذي رسمه النظام السوري؛ في موازاة قوى ظلت قابعة خلف ذلك الخطّ، صامتة مستسلمة أو مطبّلة مزمّرة، هي التي تدين بأفكار العروبة والناصرية، الماركسية واليسار الطفولي، المقاومة الشعبية والإسلامية، القوموية الأرمنية، المدرحية السورية الكبرى، والخصوصية اللبنانية؟
الأرجح أنّ شخصية فريدة مثل صفير كانت، حينذاك، وحدها القادرة على جرّ الكنيسة إلى بيان يستعرض عشرة مظاهر تخصّ تدهور حياة المواطن اللبناني اليومية: انسداد الآفاق في وجه الشباب، الديون الباهظة التي تثقل كاهل المواطنين، العرقلة الإدارية الناجمة عن التجاذب السلبي بين القائمين على هرم السلطة، انتشار الخوّة في كلّ الدوائر الرسمية، استشراء الفساد في صفوف بعض المسؤولين ممّن يحتلون مناصب عالية، المحسوبية القاتلة التي تحشر الأزلام في دوائر الدولة، القضاء المسيّس الذي يمتهن كرامة المواطنين، إهمال إنماء المناطق لصالح إنماء بيروت وحدها، هدر المال العامّ، وانتشار الفقر في معظم طبقات الشعب ضئيل الدخل والمثقل بالضرائب.
تلك لغة اقتصادية ــ اجتماعية من عيار ثقيل، جديرة بحزب سياسي معارض وليس بمجلس مطارنة، وهي لسبب كهذا تحديداً لم تكن مقتصرة على رعايا ذلك المجلس وحده ولم يكن صعباً أن يقرأها المرء عابرة للأديان والطوائف والمذاهب والطبقات. كذلك قال البيان، وكأنه يستبطن مآلات لبنان بعد 20 سنة مقبلة، إنّ «الحال المزرية» التي يعيشها البلد ناجمة عن «إفساد النظام الديمقراطي»، لأنّ «الشعب لا يقوى على المجيء بمن يريده لتمثيله في المجلس النيابي، ولا يستطيع محاسبته أو مساءلته إذا أساء الأمانة. ومَن جاهر برأي يخالف الرأي الرسمي لوحق، وألقي القبض عليه، وناله ما يكره». ولا يخفى أنّ بكركي سجّلت، يومذاك، نقطة ثمينة على المرجعيتين السنّية والشيعية، حيث انتهى بيان المفتي محمد رشيد قباني والشيخ عبد الأمير قبلان إلى تأييد التمديد عملياً.
واستعراض حال لبنان الراهنة، بين ماضٍ قريب من الزمان وآخر أتى بمزيد من النقائض، يبيح استرجاع واقعتَيْ أيلول سنة 2000؛ سواء لجهة وضع الجنرال/ الرئيس في ميزان قبائحه القديمة والمستجدة، أو إنصاف بطريرك امتلك من الرؤية والجسارة ما افتقرت إليه طبقة بأسرها من أرباب الطوائف والميليشيات والمافيات.

كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

اضف رد