البطريرك الحويّك يُواجه جمال باشا: مئة شمعة على الانتصار

المكرّم البطريريك الحويّك في شبابه (أرشيف “النهار”).

تتّقد جدلية العلاقة التي جمعت المكرّم البطريرك الياس الحويّك وجمال باشا في الذكرى المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير التي تتزاوج مع حدث الدخول في روحيّة سنة “الأب المؤسّس” ودنوّ موعد المؤتمر الأوّل المتناوِل الوجه الوطني للبطريرك في تشرين الثاني المقبل. ويشكّل الحويّك وجمال باشا ثنائية مضادة، فهما عدوّان لدودان اختصرا بشخصهما نزاعاً تاريخياً بين سياسة التتريك التي اعتمدتها الدولة العثمانية وولادة لبنان الكبير، المبتغى الوطني الذي ناضلت لأجله وجوه وأحزاب وقرى، منها فرغت من سكانها. وتُضاء اليوم مئة شمعة استحضار على كباش العدويّن الذي انتهى بإعلان منتصر واحد.

وتتعدّد النقاط التي تستدعي التعمّق في بحث جدلية العلاقة بين هذين “العدويّن”، كما يحلو للمؤرّخين تسميتهما. ويكمن العنصر الأوّل في موقع كلّ منهما. ويمثّل جمال باشا قائد الجيش الرابع الوافد في زمن الحرب، في وجه رجل مسؤول عن جماعة مهدّدة بالإبادة بطريقة شنيعة. وتحضّ هذه المواجهة المؤرّخين على دراسة العلاقة بين شخصية عسكرية تقتل جماعة بقيادة شخصيّة دينية. ويتمثّل العنصر الثاني في الوسيلة التي احتكم إليها العدوان في المواجهة، فالقائد العسكريّ المحتلّ عمل على تحجيم جماعة القائد الديني المتجذّر من خلال تجويع هذه الجماعة وتحجيمها، فتزايدت الضغوط على جبل لبنان في ظلّ سيطرة الجراد والتجار المحتكرين، وهي وقائع جوبهت بمساندة السكان عبر تقديمات الأديرة والمساعدات الخارجية المهرّبة. وتكتمل المقاربة مع العنصر الثالث المتعلّق بالعوامل الخارجية، فالبطريرك كان يتعين من روما ولا يحتاج إلى فرمان من السلطان، ولا بد في رؤية جمال باشا من فرض فرمان عثماني على هذا الرمز المرتبط بفرنسا، غريمة الدولة العثمانية.

حلّت هذه الظروف بعد خسارة الموارنة في لبنان نظام المتصرفية، ما شكّل خطراً على جبل لبنان الذي كان يستفيد من علاقته بالغرب التي ما لبثت أن انقطعت. وساهمت هذه المعاناة المتعدّدة الجوانب في تكوين رؤية استراتيجية تساهم في الخروج من المجاعة. وكان لا بد لهذه الأرض أن تعيش عبر مجالٍ حيوي قابل للحياة مع سهل وجبل وساحل، المقومات المتوافرة في لبنان اليوم. وفيما كانت عين جمال باشا على “التتريك”، صمّم الحويك على مشهدية لبنان الكبير، المساحة التي في مقدورها أن تمسح دمعة أهوال المجاعة وتنبت زرعاً جديداً مع ترسيمة أرضٍ مشجّعة على التوسّع.

وتختصر هذه المشهدية حلبة السراع القائمة بين جمال باشا والحويّك، وهي بمثابة كادر واسع رسمت فيه المواجهة بين الطرفين. ويأتي البحث عن معطيات تفصيلية تشرح العلاقة الدقيقة التي جمعت الرجلين على المستوى الشخصي بإجابات واضحة.

يقول واضع كتابَي “وثائق البطريرك الحويّك السياسية” و”مجاعة أهالي جبل لبنان” الأب أسطفان الخوري لـ”النهار” إن “جمال باشا كان بصفته أحد أعضاء حزب الاتحاد والترقي الثلاثة، إلى جانب طلعت باشا وأنور باشا، الذين حكموا السلطنة العثمانية أثناء الحرب العالمية الأولى، يرى في البطريرك الحويّك عدوّاً لأنه يمثّل الجماعة المارونية التاريخية التي كانت دوماً على علاقة طيّبة مع الدولة الفرنسية المعتبرة عدوّةً للسلطنة. وكانوا يشكّلون خطراً كبيراً على وحدة السلطنة وترقّيها. لذلك، دخل جمال باشا إلى متصرفية جبل لبنان بالجيوش العثمانية وألغى امتيازات الجبل ونظام المتصرفية، وحَكمه حكماً مباشراً، وراح يضطهد البطريرك الحويّك وكلّ رمز آخر من رموز الجماعات المطالبة بالإصلاحات و”الاستقلال”. وحاول جمال باشا نفي البطريرك، وجعلَه يقيم في قرنة شهوان إقامة جبرية، لكن تدخّلات الكرسي الرسولي، حالت من دون نفيه. ولو أنّه نفي لكان أصابه ما أصاب سواه من الذين ماتوا في ظروفٍ غامضة، لأن الترويكا الحاكمة جمال وأنور وطلعت، كان لديها مهارة قتل الأشخاص وإبادة الجماعات بعد نيل رسائل الشكر على حسن العناية والدراية. وعليه، وجد البطريرك نفسه، كما وجد أهالي جبل لبنان أنفسهم، أمام مضطهد شرسٍ، سفّاح وجزّار، عليه أن يتعامل معه ضمن الممكن، حفاظاً على الوجود المهدّد بالإبادة”.

ويتبيّن من زاوية المؤرّخين المطّلعين أن “نظرة الحويك إلى جمال باشا هي نظرة حذر وخوف واحتقار إلى شخص يعتبره محتلاً، ويضطّر إلى التعامل معه بديبلوماسية”، وفق المؤرّخ الدكتور مروان أبي فاضل.

ويتراءى في البحث عن لقاءات جمعت الرجلين، أن “جمال باشا أمر البطريرك الحويّك بأن يأتيه أكثر من مرّة، وكان ثمة مراسيل متبادلة بينهما. وكان جمال باشا يسعى إلى إضعاف البطريرك وحضّه على تقديم طلب فرمان الاعتراف من الدولة العثمانية”، وفق المؤرّخ الدكتور عصام خليفة، مشيراً، عبر “النهار”، إلى أن “الحويّك كان مرناً ظاهرياً مع جمال باشا، لكنه كان يقود مقاومة ضدّ المجاعة وضدّ إجراءات الدولة العثمانية، بمساعدة الخوري بطرس عقل أمين سرّ البطريركية. وكان لا بد من الاحتكام إلى البراغماتية في التعامل مع جمال باشا الذي أعدم مطران بيروت بطرس شبلي بعدما نفاه إلى الأناضول حيث قضى هناك. واضطلع الخوري عقل بدور هائل في كبح الجماعة كونه أمين سرّ البطريركية. وأصدر البطريرك قراراً في 9 كانون الأول 1916، طلب خلاله من الكهنة والرهبانيات والمطارنة والأوقاف بإطعام الفقراء، وإصدار تقارير تظهر عدد الذين أُطعموا، وكان هذا القرار الأهمّ الذي أصدره ضدّ الجوع. كما ساهم عقل مع المطران دريان في مصر، في حضّ المغتربين على إرسال المساعدات إلى ذويهم. وكانت المساعدات ترسل من مصر إلى جزيرة أرواد ومنها إلى البوار ليلاً. كان عقل يختبئ في الجبال ويتعامل مع مراسيل لتنظيم المساعدات إلى القرى، التي لم تقتصر على المسيحيين بل شملت الطوائف الأخرى”. ولم تقتصر مقاومة جمال باشا على المقاومة الغذائية فقط، بل شملت بعض العمليات العسكرية، إذ يُروى أن “جندياً عثمانياً كان متسللاً إلى أحد المنازل، لاحظ عملية تهريب المواد الغذائية عبر الزوارق وكان سيفضح المشهد، فقُتل ورمي تحت التراب”.

في الخلاصة، كان الحويّك قائداً تاريخياً استطاع أن يجمع الوجوه والقوى المنادية بالحريّة في كليّتها بنبرة صوته في مؤتمر الصلح. وهنا يستعاد شعار الخوري عقل “القوت أو الموت” الذي شكّل وشعار “الخبز مع الحريّة” قاعدة لبنان الكبير.

Majed.boumoujahed@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*