البروتستانت

آثَر خليل رامز سركيس ألا يعود إلى لبنان إلا طي وصيّة. مثل ريمون اده فجعته الحرب بأخلاقها، فمضى بغير عودة. السلم، بالنسبة إليه، لم يكن فتح خطوط التماس، بل السكينة الكبرى في النفوس. وهذه لم تعد.

أحيت وفاة خليل رامز سركيس وتعازي الكنيسة الانجيلية، تذكار طائفة بكاملها، نشرت شيئاً واحداً في لبنان: العلم! والعلم ليس بحدود، بل بأقصى مداه وأعظم استمراره: الجامعة الأميركية. الكلية الأهلية للنساء. والجامعة الاميركية اللبنانية، وما برز من كليّات ومن كبار المربين، وفي طليعتهم شارلي سعد والقس ملحم شقير وقيصر جحا.

للمرة الأولى في تاريخ الرسم العربي، تتساوى قيمته بالفن الاوروبي. قبل سنوات تأخر الشاعر ادونيس في الانضمام إلينا في دبي. ولما وصل اعتذر بأنه كان يحضر مزاداً تقيمه “سوذبي” للوحات الفنانين العرب، وقد راوحت الاسعار بين 250 الفاً و 700 الف دولار.

الشاب الذي يقف وراء هذا الحدث هو مايكل رئيف جحا. لكن ليس في امكان احد أن يخرجه من تواضعه. كل ما يعرفه الناس، أنه في ذلك اليوم خرجت مقاييس الفن العربي من عصر ودخلت في عصر. ليت صليبا الدويهي وجان خليفة وسعيد عقل ما زالوا احياء، فما كانوا يعانون ظلم التكرس.

في ادبه الكبير والغزير، لم يخرج خليل رامز سركيس، من الميل البروتستانتي إلى الاقتضاب والتقشف على طريقة صاحب المذهب: فليكن كلامكم نعم نعم، أو لا لا. وما زاد على ذلك فمن “الزوزقة الهرائية” كما سماها جان كوكتو.

شهد خليل رامز سركيس على زمن كان لا يزال النقاء فيه غير مُضحك أو مثير للسخرية. وكان يعتزّ بصداقتين من هذا القبيل. الأولى رفقة ايوب تابت، البروتستنتي الوحيد الذي اصبح رئيساً للجمهورية، وكان اسطورياً في تقشّفه. والثانية رفقة فؤاد بطرس الذي لم يصمد مثله في إبحار العقد العاشر من العمر. وكان سركيس محدثاً بارعاً، يوضّب المقاطع بإناقة الكتابة. وهكذا كان يرسم لأيوب تابت صورة رجل الدولة وهو في اقصى حالات التمسك بالقانون واعتبار المنصب مجرد “خدمة مدنية” لا مكان فيها للوجاهة أو النفوذ. كل مساء كان تابت يخلع سترة الفخامة ويتركها في السرايا ثم يذهب الى منزل رامز سركيس ليتناول عشاء لا يتغير: لبنة وبيض مقلي.

قلت مرة للخليل إن أحد الزملاء المجتهدين كتب تحقيقاً صحافياً يقول فيه إن سلمى كرامة، بطلة “الاجنحة المتكسرة” عند جبران خليل جبران، هي شقيقة ايوب تابت الذي كانت تربطه صداقة قوية بأديب بشرّي، فهل كان ذلك صحيحاً؟ أجاب المتحدث بالأسلوب التقشفي: “لم اسمع عن ذلك مطلقاً. لكن معرفتي بالعائلة تحملني على الاعتقاد أن الشقيقة لم تكن من النوع الذي يجتذب جبران”!

دخلت الطائفة الانجيلية على لبنان في القرن التاسع عشر في إطار خلافيّ. فقد وقف الموارنة والأرثوذوكس في وجه مبشريها وارسالياتها، خصوصاً ان الزمن يومها كان زمن صراع بين الفرنسيين والانغلوسكسون. وكانت الحصيلة أن لبنان أفاد من قيام أهم جامعتين في الشرق، واحدة للثقافة الفرنسية وأخرى للإنكليزية. وتحولت الجامعة الأميركية الى معهد يأتي إليه جميع العرب، بل حتى الطلاب من الهند وباكستان وأفغانستان، مثل رئيسها الحالي. ومن البروتستانت ، خرج بطرس البستاني كبير المعلمين وصاحب “المحيط” الذي احدث في النهضة العربية ما أحدثته “انسيكلوبيديا” دوني ديدرو في الثورة الفرنسية. أو هكذا ما اعتقده على الأقل، مع حفظ قانون النسبية واصول التواضع.

وأذا كان “المعلم” رائداً من روّاد اللغة، فقد كان اميل البستاني رائداً من روّاد البناء والإعمار والآفاق السياسية التي لا حدود لها. وبين الروّاد المؤرخين كان كمال الصليبي، التلميذ الأكثر التزاماً لعلمية شيخ المؤرخين ومُبدعهم وبديعهم الدكتور فيليب حتي.

نشأ حول الجامعة الاميركية في رأس بيروت مجتمع حضاريّ مدنيّ على مثالها. وفي هذه البقعة المطلّة على البحر، ازدهرت حياة من الانصهار العفويّ التي لا مثيل لها إلا في المجتمعات القاريّة الكبرى. وبسبب رأس بيروت لم يكن احدنا يعرف ما هي هوية اصدقائه. فلم اعرف أن يوسف الخال بروتستانتي إلا بعد غيابه. ولا عرفت أن توفيق الصايغ وأنيس وفايز من الانجيليين ايضاً. ومن كان ليعرف أن خليل رامز سركيس بروتستانتي لولا تعازي الكنيسة الانجيلية؟ طائفة تعيش طي هدوئها وتواضعها. لا مهرجانات سياسية. لا تدافُع نحو المناصب، لا صُراخ ولا مطالبات. ولا “صخب ولا غضب”، على ما وصف شكسبير الحالات البشرية المستشيطة.

وعلى من نحسب ألبرت حوراني صاحب الأثر العظيم “الفكر العربي في عصر النهضة” (دار نوفل)، الذي ولد بروتستانتياً في مانشستر، ثم تحول الى الكثلكة وهو كهل؟ ولسنا نعرف السبب في ذلك. أو ماذا يخطر للكبار في كِبرهم من ابناء بريطانيا. فقد سبق الى الكثلكة اديب آخر هو غراهام غرين. وفعل الشيء نفسه شهير بريطاني حديث هو طوني بلير فور خروجه من رئاسة الوزراء.

يتم التحول الطائفي عادة من أجل منفعة وليس العكس. فالكثلكة في بريطانيا خسارة، لا ربح تماماً، مثل البروتستانتية في لبنان، حيث هي اقلية الاقليّات. ولعل أشهر ما حدث في هذا الباب عندما قيل لهنري الرابع أنه من اجل أن يحكم فرنسا لا بدّ من أن يصبح كاثوليكياً. فقال الجملة التي ذهبت مثلاً “ولم لا، باريس تستحق قداساً على الأقل”.

كان يفترض أن يكون هذا المقال عن ادب خليل رامز سركيس فقط. ولكن، أقول بهزيمة وخجل، إنه لم يبق لي ما اكتبه بعد محمد علي فرحات وعبده وازن وعقل العويط. فكان أن هربتً إلى طائفة رجل لم يعرف الطائفية إلا مسجى. ورأيت فيها مناسبة أرفع فيها التحية والمحبة الى رواد من طبقة شارلي سعد وملحم شقير، ووفاء شديداً للأخير. مثل معظم الكبار، لم تعرف قيمة ملحم شقير إبان حياته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*