الرئيسية / home slide / “البحث عن عازار” لنزار آغري…الإيزيدي ونوستالجيا القامشلي

“البحث عن عازار” لنزار آغري…الإيزيدي ونوستالجيا القامشلي

المدن – ثقافة|الخميس14/01/2021
Almodon.com

صدرت في القاهرة عن الكتب خان للنشر، رواية “البحث عن عازار” للكاتب والمترجم نزار آغري.
“البحث عن عازار”، عمل روائي رائق يشبه مقطوعة موسيقية طويلة وحالمة عن الصبا والبحث عن زمن البراءة من خلال قصة صداقة جمعت بين صبيين في مدينة سورية قرب الحدود التركية ومتاخمة لجبل “طوروس”، هي مدينة “القامشلي”، تتجاوز قصة الصداقة تلك الزمان والمكان وترتقي إلى مقامات روحانية أعلى، وترسم لنا الرواية حياة وملامح مدينة بأكملها، على الحدود بين سوريا وتركيا، حيث تختلط الأديان والعرقيات والأفكار، وتتجاور الثقافات وتمتزج الطقوس والأعياد بالأساطير.

وبحسب “الكتب خان”؛ تنقسم الرواية إلى قسمين طويلين وقسم ثالث أخير وقصير. في القسم الأول نتعرف على قصة الصداقة بين الصبيين “عيد كوري” و”عازار ناحوم عزرا”، ونتجول معهما في مدينة ” القامشلي” التي تزدحم بالأعراق والديانات والجنسيات، مدينة الصبا المفقود. ومن خلال عيني الفتى “عيد كوري”، الإيزيدي القادم من قرية “عامودا” والشغوف بالقراءة والمعرفة، الحالم بالحب والصداقة-عيون صبي تطالع العالم ببراءة ودهشة قبل أن تصطدم بالمعتقدات والأيدولوجيات وكل ما من شأنه أن يفرق بين بني الإنسان، ويصنفهم في خانات- نعيش نوستالجيا المدينة حين تسطع شمس”عازار” عليها، وحين يجد نفسه مجذوبًا لصاحب الوجه الملائكي والروح الشفافة.

ومع نمو صداقتهما يقدم لنا الكاتب المدينة – القامشلي- بأسواقها وشوارعها وسينماها وملاعبها، في مشاهد مرسومة برقة وعناية، وعبر لغة بسيطة وناعمة، نتعرف على: زملاء الدراسة، الجيران في بيت “صومي”، مكتبات المدينة، محل “أبي خالد”، والمعلمين في المدرسة. وندخل معه بوجل ورغبة بيت صديقه ومصطفاه ” عازار”، نقع في حب أسرة الفتى الملائكي، ونتنسم عطر أخته “إيفون” الرقيقة أمام “الباب الأزرق”، والأم الوديعة، والأب “عزرا” حامل الحكايات.

نعيش مع عيد حلاوة الحب الأول، ونغرم بالأفلام ونستمع للأغنيات التي شكلت وجدان جيل كامل، ونتمشى بجوار نهر “جغجغ” ونزور قريته، نشارك أهله طعامهم وأفراحهم وأساطيرهم، نلهو مع زملاء الدراسة ونتشاقى هاربين من المدرسة، ونتعرف على أول الحب والجنس والدين، أول الكتب والقصص والأفلام، ونعيش صبانا مرة أخرى قبل أن نفقد عازار.

في القسم الثاني من الرواية، ترتفع نغمة الشجن الشفيف والنداء الملتاع على البراءة المفقودة بعد رحيل “عازار”؛ وتصبح حياة الراوي وذكرياته وآماله كلها أغنية شجية ورقصة متكررة بحثًا عن شمسه ومدينته وصباه، بحثا عن عازار. نرتجل مع “عيد” إلى حلب وبيروت والنروج، ونعايش حكاياته الجديدة مع الأصدقاء والشعراء والمناضلين الفلسطينيين، حيث يجاور الكاتب بين مشاهد من رحلة حياته ودراساته وسفره وعلاقاته بالبشر والتنظيمات السياسية وبين الأغاني والأشعار والترانيم في حب فتى صباه الأول “عازار”، إلى أن يلتقيا في نهاية القسم الثالث والأخير من الرواية بعد مرور أكثر من أربعين سنة من الحلم والبحث والأسى.

“البحث عن عازار” رواية حكي وغناء ونوستالجيا مدينة وزمن حالم، ورحلة حياة كاملة، تتسم بلغة ناعمة ونبرة هادئة، وتعتمد على الوصف الرائق لأماكن الأحداث، سواء في سوريا أو بيروت أو النروج، وحتى في القرى الفقيرة والصغيرة على أطراف المدن، كما تركز على المشهد البصري بالتوازي مع الاستبطان الداخلي للنفس ولواعجها، في شكل روائي أقرب إلى “رواية التنشئة” المشهورة في الأدب الألماني، ودون إسراف لغوي أو تغريب، استخدم الكاتب لغة بسيطة ودالة ومشحونة رغم ذلك بعاطفية ورؤية إنسانية راقية. أنتجت تلك الرؤية أسلوبًا وشكلا فنيًا متناغمًا (قصة لغة) يصل إلى عقل القارئ بسلاسة ويلامس وجدانه برقة.

من أجواء الرواية: 
“قبل قدومي إلى القامشلي والاستقرار فيها لم أكن أعرف شيئًا عنها سوى أنها مدينة، مثل المدن الأخرى المتناثرة على تراب تلك الأرض المترامية الأطراف في هذه البقعة من العالم. هي مدينة، أكبر من “عامودا” ولكن أصغر من “ماردين”، وأقل بهاءً منها. “ماردين” مثل عقد من الفوانيس مربوطة إلى عنق تلة دائرية حمراء كالمرجان، بقعة ساحرة تشبه مدن ألف ليلة وليلة بأزقتها الملتوية وحاراتها المعتمة ودروبها الضيقة. فيها عدد لا يحصى من اللغات واللهجات والأديان والطوائف والمذاهب. لم أكن أعرف أن “القامشلي” هي المدينة التي بناها المسيحيون حين طاردهم الأتراك وارتكبوا المجازر. جاء السريان والآشوريون والكلدان والأرمن وأصلحوا الأرض وسووا التراب وأقاموا بيوتهم واستقروا. لم أكن أعرف أن هؤلاء أنشأوا بلدة جميلة مثل قنينة عطر وأنهم أقاموا الدور والقصور والدكاكين والمحال التجارية ومخازن اللباس والمسارح ودور السينما والمخابز والمطاعم والمقاهي، وأنهم فعلوا ذلك بشكل جميل وباذخ. ثم جاء إليها الكرد والعرب فصارت مثل بابل. بابل صغيرة من اللغات واللهجات والسحنات والعادات والرقصات والأغاني والأزياء. بابل ممددة على الأرض، ملقاة على التراب وليست معلقة في السماء”.

نزار أغري.. كاتب ومترجم سوري كردي، يترجم عن عدة لغات، نشر عددًا من الروايات من بينها “أوراق الملا زعفران”، “شارع سالم”، ومن ترجماته: “إسطنبول وطن الألف عام” و”أين نرسو” وعدد من روايات الكاتب الإيطالي “آري دي لوكا”. يعيش ويعمل في أوسلو.