الرئيسية / مقالات / “البحث عن الظهيرة الساعة الرابعة عشرة”

“البحث عن الظهيرة الساعة الرابعة عشرة”


سمير عطاالله
22 تشرين الثاني 2017 | 00:47

في القمة العربية السابقة كان هذا المقال عنها. وبما أن مكانها موريتانيا، فقد كان عنها وعن موريتانيا. وبما ان المغرب كان المكان المقرر، لكنه اعتذر عن الاستضافة، فقد كان لا مفر من الاشارة إلى ان الرباط قررت ابعاد أصوات الخلاف وأن ما اعتذرت عنه الرباط، قبلته نواكشوط.

كتبت بكل نيّة صادقة وطيّبة ومحبة لموريتانيا، التي لم اقرأ أو أسمع في حياتي كلمة واحدة اساءت اليها. ولكن يبدو أنني اسأت التعبير، أو اسأت الصياغة، فانتفض شبان موريتانيا مرة واحدة، يلعنون الساعة ويتهمونني بالزندقة. وعلى رغم شعوري بالأسف، ساورني شعور غامض بالفرح لأن تكون “النهار” مقروءة الى هذه الدرجة والاهتمام، في آخر حدود العالم العربي. غير أن بعض تغريدات الغاضبين ذهبت الى حد المطالبة بطرد اللبنانيين من البلاد.

وخلال دقائق على ظهور هذه الدعوة، سارعت الى الاعتذار عما كتبت. لست أريد الحاق الأذى بأحد، ولا التسبب بالضرر لفرد، فكيف بجماعة؟ واثار الاعتذار بدوره موجة من السخرية والاتهام بالجبن والتراجع، لكن أحداً لم يعرف سببه الحقيقي إلاَّ هذه اللحظة، بعدما طرحت في الايام الاخيرة مسألة الحرص على 350 الف مهاجر في السعودية، ومثلهم في الخليج.

نحن نسمي هذه الفروع من الضلوع مهاجرين، أو مغتربين. ولا ندري من الذي خطر له تسميتهم “الدياسبورا”، فهذا مصطلح محصور بالشتات اليهودي، والتيه اليهودي. ونحن، والحمد لله، اغتراب وعودة ومؤتمرات في لاس فيغاس.

كان الوزير سورين خان أميريان يروي ان الرئيس فؤاد شهاب أوفده الى واشنطن لشراء طائرات عسكرية جديدة بعدما تقادمت الطائرات البريطانية الصنع في قاعدة رياق. وفي العاصمة الاميركية أُبلغ خان أميريان أن لدى وزارة الدفاع طائرات انتهى امرها بالنسبة الى أميركا، لكنها ممتازة بالنسبة الى دولة مثل لبنان. وأكثر من ذلك، ثمن الطائرة دولار واحد، شرط سحب الاعتراف بكوبا.

قال خان أميريان للرئيس شهاب: ماذا تريد أفضل من ذلك؟ رد الرئيس:”فلنسأل اولاً إن كان لدينا مغتربون في كوبا، وكم عددهم”.وجاء الجواب من الخارجية أنهم ثلاثمئة (300)! فقال شهاب لوزيره: يا سورين، لا أسمح لنفسي بأن اعرض 300 مهاجر للمتاعب مقابل 30 طائرة اميركية، فلننسَ الأمر.

امتلأت مواقع التواصل، الاجتماعي منه والبربري، في الفترة الاخيرة، بدعوات هوجاء لطرد اللبنانيين من السعودية، فيما كان الوزير جبران باسيل يكد بحثاً عن الرئيس سعد الحريري بين برلين وانقرة. وكان الجميع يدعون السعوديين الى التروي فيما تنهال عليهم من عندنا نعوت لم يعرفها قاموس الردح العربي في اغزر آدابه وأخلاقه العالية. وبدل أن يهدىء وزير الخارجية هواجس السعوديين ومخاوف اللبنانيين بالتوجه الى الرياض، ذهب الى ثلاث جهات الأرض، معتبراً ان الرابعة لا أهمية لها. وتعرف هذه باسم أميركا.

لذلك، تولى وزير خارجية فرنسا الذهاب بديلاً الى الرياض. وقبله ذهب الرئيس ماكرون. فالديبلوماسية عمل، لا حركة. وخالف ماكرون البروتوكول، متجاهلاً بطء الأصول والشكليات، من أجل سياسة مثمرة وتليق بدولة كبرى، فاستقبل الوزير باسيل في الاليزيه على عجل، ثم تجاهل الأصول الرئاسية مرة أخرى بفتح قاعات الاليزيه امام سعد الحريري وكأنه رئيس دولة، لا رئيس وزراء.

كانت “تايم” أشهر مجلة في أميركا، وربما في العالم الغربي. ينتظرها نحو 9 ملايين قارىء كل اسبوع لكي يعرفوا من هو الشخص الذي اختارته موضوعاً لغلافها. ومن ثم، مرة في العام كان ضعفا ذلك العدد من القراء ينتظرون ليعرفوا من اختارت شخصية العام.

لا شك في انك لاحظت عند بائع الصحف هذا الاسبوع ان ايمانويل ماكرون هو غلاف “التايم” باعتباره زعيم اوروبا هذا العام. اين الخطأ في الموضوع إذن؟ الخطأ، يا مولانا، ان “التايم” صدرت قبل ازمتنا الأخيرة، وقبل اجماعنا جميعاً على عنوان متواضع واحد وهو ان “فرنسا تعود الى الشرق الأوسط من البوابة اللبنانية”. Merci Liban! فماذا كانت ستفعل من دوننا؟

ماذا تعني عندما تقول إن ماكرون هو زعيم اوروبا الجديد؟ تعني ان القارة التي سماها دونالد رامسفيلد، بصلفه، “القارة العجوز”، قد عثرت على زعيم شاب في عالم متغير، لا تشكل فيه البروتوكولات همّاً كبيراً. انغيلا ميركل تشيخ، وتيريزا ماي لم تستطع أن تصبح مارغريت تاتشر أخرى، فيما يلمع هذا الفرنسي الشاب رمزاً للتجدد ضمن العراقة الاوروبية، مزيجاً من رؤية ديغولية شابة ومن حنكة فرنسوا ميتران في العلاقة المباشرة بالناس.

بدأ ماكرون عودته الى الشرق الأوسط من ليبيا حيث لاتزال الآثار السيئة التي تركتها مغامرات نيكولا ساركوزي وفيلسوفه برنار هنري ليفي. وقد حمل ماكرون معه مشروع المصالحة الى الليبيين، مستبقاً مهمة المبعوث الدولي غسان سلامة، بديلاً من صبيانيات ليفي الدموية. وقد رُشَّح الدكتور سلامة للمنصب امام مجلس الأمن، بصفته مواطناً واكاديمياً فرنسياً. وتفاخر هذه الدولة الهائمة بالفكر والشعر وعلو الكلمة، بالجناح اللبناني في كاتدرائية الأدب الفرنسي. وتتصرف وكأنها تحن الى هذه الفسحة المتوسطية وكأنها كانت قلادة لا مستعمرة. ولعلها تحتفل باستقلاله وتسعد بما يوفر لنفسه من سيادة، أكثر بكثير مما يحاول أن يتذكر من نعيم السيادة وهناء الاستقلال. بعض الحواس تنسى، أو تُمحى، إذا كثرت عليها التجارب.

من ديغول الى ماكرون لم تتغير نظرة ورؤية الاليزيه الى لبنان. مرت ربما بخلل سطحي سببه الافتقار الى العمق التاريخي، عند صاحبي المرحلتين، جيسكار ديستان ونيكولا ساركوزي. لكن باريس حافظت على خاصية العلاقة أكثر بكثير مما اهتم لها لبنان. وعندما كانت كل الأمم تتقاتل فوق أرضه وتوقد نيرانه، كان عشرات آلاف اللبنانيين يجدون في فرنسا الملاذ بعضهم من البعض أو من اشقائهم، بمن فيهم رئيسا جمهورية، امين الجميل وميشال عون، وأشهر معارض في تاريخ الجمهورية، معروف باللقب، لا باسمه، “العميد”. دون تحديد سن التقاعد.

فرنسا هي من صان العلاقة، لا نحن. نحن نغرق في اليم، ثم نرفع رأسنا قبيل الاختناق لنقول إنها تريد العودة الى الشرق الأوسط من البوابة اللبنانية. ليس مثلاً من البوابة السعودية. ليس من باب الامارات، التي حملت جزءاً من “اللوفر” ووضعته في قلب الصحراء. ليس من بوابة مصر وبعثة شامبوليون.

اخجلنا هذا الفتى الأغر، ماكرون ايمانويل. كنا نعتقد أنه لم يعد للبنان ذكرى عند الفرنسيين الذين في جيله. هؤلاء شباب التكنولوجيا والمصارف، ولا يهتمون كثيراً لما كتب دو لامارتين و دونرفال و المهووس القومي موريس بارّيس وارنست رينان، وذلك السرب البديع من الرومانسيين. لكنه، ماكرون، فاق الرومانسيين، وحوَّل الاليزيه الى استوديو للصور التذكارية والزيارات العائلية. وهذه انباء مزعجة للذين كانوا يعتقدون ان ابواب الاليزيه سوف تغلق
في وجوه اللبنانيين بعد اغلاقها خلف جاك شيراك. لم.

إقرأ المزيد

اضف رد