الرئيسية / home slide / البحث عن الإنسان الكامل

البحث عن الإنسان الكامل

حيدر المحسن
القدس العربي

10102022

هي ندى مغيزل نصر، بروفيسورة في العلوم التربوية في جامعة (القديس يوسف) في بيروت، ولديها خمسة مؤلفات باللغة الفرنسية، وكتاب واحد بالعربية هو (أشياء بسيطة) مجموعة مقالات قصيرة لا يتجاوز أغلبها 200 كلمة، أي صفحة واحدة من القطع الصغير، لكن فيها من فيض الحنان والأفكار ما يملأ الساعة التي جمعت بين كونفوشيوس والرجل الحكيم، وأوحت له أن يعادلها بعشر سنوات من القراءة. وحدهم الطوباويون قادرون على إغاثة البشر، والمؤلفة امرأة طوباوية: «كي تربّي مراهقين، عليك أن تجيد الرقص. عليك أن تعرف، كما على الحلبة، متى تقترب من شريكك ومتى تبتعد عنه. متى تنظر إليه ومتى تتظاهر بالعكس، بينما تتبع كل حركة من حركاته».
إن قاعدة الإبداع في عصرنا تنصّ على أنك يجب أن تُبدعَ دائما بشكل غير نمطيّ، ليتسنى لك إعادة تأليف العالم، وكذلك هي الأفكار التي زوّدت بها البروفيسورة كتابها، ونعتتها بنوع من التواضع الثرّ (أشياء بسيطة). مقال المراهقة والرقص قرأتُهُ وأنا أنتظر دوري في استلام الخبزة المحمّصة بالزعتر. دقيقتان على الأقصى، ثم استلمتَ طلبكَ وذهبتَ إلى المقهى وتناولتَ فطورك. هل سيعود العالم مثلما كان قبل قراءتك المقالة؟ أثبت العلماء أن تغييرات طويلة الأمد تحدث في الدماغ بعد مطالعة كلمة (نهر) مثلا، فالكلمة ليست وسيلة للتعبير حسب، إنما وسيلة للتفكير أيضا، وفي هذا الكتاب يتقابل الأدب مع الفكر، يتحاوران، وفي كلّ حوار تكتشف مفاجأة جديدة، ويصبّ هذا الحوار شخصك الجديد.
تعود المؤلفة مع الفتاة المراهقة إلى طفولتها في مقالة (الأمهات والمصّاصة): حاول الوالدان كل شيء في سبيل أن تتخلى الطفلة عن المصّاصة، وباءت جميع المحاولات بالفشل، لكن أبناءنا هم نحن بالصورة القريبة، تركت الابنة هذه الأداة الملهّية من تلقاء نفسها عندما أنجزت الأم – وهي صحافية – فيلما هو بالنسبة إليها تحدٍّ كبيرٌ. لقد ساعد هذا النّجاح في نموّ الأم، وسمح لها بتخطّي مخاوفها، وباكتساب ثقة أكبر بنفسها. في ذلك اليوم غادرت الابنة طفولتها، وتخلّت عن المصّاصة دون عقاب أو ثواب. نحن وأبناؤنا إذن صورتان في مشهد واحد، الألوان ذاتها، واللّطخة تنوشنا معا في اللحظة نفسها، وكذلك الخطوط في المشهد، كلّ التفاصيل في حياة أبنائنا هي صورة مماثلة لنا، ومعكوسة كأنما في مرآة. أن تكون مربيّا فعليك أن تكون خارج الوقت وخارج نفسك. كبر ابنك، واستقلّ في حياته، وتريد أن تختبر زرعَكَ، وتهديك الكاتبة مقالة (بيوت الأولاد):
– عندما تزور ولدك في الخارج، وترى كتابا حول «مبادئ الاقتصاد» تحت ديوان شعر لرامبو.
– عندما يتقن ابنك التفاصيل التي لن يراها أحد، إنما بالتأكيد تحسّن نوعية الحياة اليومية.
– عندما لمناسبة عيد ميلاده الثامن والعشرين يطلب منك لوحة.
– عندما يخبّئ لك، يوم سفره، رسالة بين أغراضك، يشكرك فيها لأنك: «أحسنتَ ما قمت به (معه) وما زلت».

الأدب النّاجح يستوقف القارئ لبرهة، والعبارة الأخيرة فيها مضمون أخلاقيّ وظلال هادئة في هندسة النصّ وتلوّنات كثيرة في المعنى، أيّ ثمن باهظ يدفعه المرء حتى تتّضح له السعادة الحقيقية في الوجود، عندما يجد نفسه عضوا في عائلة متماسكة بواسطة الحُبّ؟ كان دانتي يؤمن بأن الحبّ يحرّك الشمس والنجوم والقمر، ويبلغ هذا بين أفراد العائلة أن الجدّ والجدّة يكبران دون أن يشيخا: «لحسن الحظّ أننا نحتوي أهلا. نحبّ ظهور التجاعيد على وجوهنا، كما نظر الأهل إلى ظهور أول سنّ في صغرنا». حسب الشاعر جورج سيفيريس، فإن التجاعيد تتركها على وجوهنا كل الطيور التي تمضي في السماء، ويظهر عند عودة الطيور، حسب الكاتبة، أول سنّ في عمر الطفولة. عنوان المقالة هو: «لا نصبح يتامى عند موت أهلنا» تتكرّر فيها عبارة (لحسن الحظّ) تسع مرات، وفي كلّ مرة نكتشف نحن القرّاء نوعا جديدا من السعادة على الأرض لم نجرّبها من قبلُ، مع أنها ممّا نصحو عليه كلَّ يوم، ونبيت عليه كذلك: «لحسن الحظ أننا نحتوي أهلا لنبقى أولادا/ لحسن الحظ أننا نحتوي أهلا فلن تصبح حياتنا مشرّعة أو مجرّد ممّر في حياة الآخرين». كلّ فرد في العائلة يخرج من ذاته في اتّجاه الآخرين فيكونون عندها هم النعيم، وتسمّى الدار عندها الجنّة. تصف لنا المؤلفة تفاصيل ما يحدث في هذه الدار، جاءت بها من تخوم طفولة وصبا غربت شمسه. يشهد البيت الواحد ولادة أطفال عديدين ووفاة عُجّز عديدين كذلك، سمع صراخ آلام الولادة من عدة أمهات والصمت الرصين في ليالي السهر على الموتى. وباختلاط هذه الأصوات يمضي هذان الفعلان – الولادة والموت – مع السنين، وتتشبّع برائحتهما الأجواء. لا يوجد مدار واحد لكلّ فرد في البيت، الكلّ يمثّل الجزء، وهذا صورة من الكلّ، وتدخل الحياة مدارا قطبيّا مشتركا قوامه حبّ عظيم ونظام قِيم توارثته الأجيال عن بعضها، ومن أول هذه القيم «الحق في السعادة». يأتي الطفل إلى الدنيا ويولد معه في الوقت نفسه جميع أفراد العائلة. «يجب إعلام الطفل بهذا الأمر حين يكبر. ويجب إعلامه كيف عاش كلّ من هؤلاء الأفراد حدث ولادته. هذه المعلومة تؤثر في طريقة اندراجه في العائلة وفي العالم». كما أن الحبّ يتضاعف ولا يُقسم، ويحدث هذا الأمر أيضا مع الوفاة. ليس ثمة نار خفيّة تُرهق عينيْ أحدٍ في البيت، ولا نار ظاهرة يتلاشى بسببها الأخضر واليابس، وإن المرء يبدو طفلا إن عاش في مثل هذه العائلة، رغم أنفه، فهم يقولون لكبير السنّ شابّ قديم وشابة قديمة. إن القُرب الذي بين أفراد العائلة الواحدة يكفي لخلق كائن لا يحمل اسما ولا وجها ولا يمتلك رائحة خاصة، لكنه يمثل القطب الذي يدور حوله الجميع. هكذا، ثمة علاقة بين ما توصلت إليه الكاتبة، وما يعتقد فيه الصوفيون المسلمون الذين يدعون هذا المخلوق «الإنسان الكامل» الذي هو «موضع نظر الله في كلّ زمان» وهو «المبدأ الفعال لكلّ إلهام». لقد التقت التربية المسيحية في عائلة المؤلفة، مع إحدى طرق ثقافتها في المعرفة الدينية، وتشكّلت من هذا اللقاء العفوي وغير المقصود أفكارٌ وتصورات نثرتها الكاتبة بين كلماتها في صفحات متفرقة من كتابها، والذي يدعونا عنوانه إلى تذكّر حياة الصوفيين وهم يقضونها بطريقة متواضعة للغاية. من ندى مغيزل نصر -احفظوا الاسم جيدا- نتعلّم أمورا كثيرة، مثلا: «إن حقوق الإنسان تُطبّق حتى في الحمّام. ففي احترامنا هذا المكان نحترم الآخر الذي سوف يستعمله بعدنا». ونتعلّم كذلك أنّ للأطفال حقوقا لا نعرفها: الحقّ في رؤية البحر. الحقّ في أم سعيدة. الحقّ في الخطأ.. وهذا الحقّ يجعل من حياتنا قصيدة أو لوحة أو قطعة موسيقى: أن لا تشبه نهاراتهم نهارات رؤساء شركات متعدّدة الجنسيات. نتعلّم كذلك من ندى مغيزل أن أولادنا يربّوننا، عندما يسخرون بمحبة من سلبياتنا، ويبرزون حسناتنا. عندما اطّلعتُ على هذه الفكرة جاءت إلى ذهني مباشرة عبارة الناقد ت. س. إليوت الشّهيرة حول التراث: نحن نؤثر في التراث مثلما يؤثر فينا، ونصنعه مثلما يصنعنا. إننا نمثّل تراث الحياة، وأبناؤنا أدباء جُدد، فهم يغيّروننا إذن بالطريقة نفسها التي يُدرس فيها ماضي الأمة الثقافي في كل عصر بطريقة مختلفة.
ليس للأبوين قلب ليحبّوا بل أيدٍ للتربية. هذه المقالة تحمل عنوانها في آخر سطر فيها: كان الشاب طويلا، ضخم البنية، مولعا بالعلوم والاقتصاد، ولم يكن الأدب محور اهتمامه، ولا قصص الحبّ. كان عليه أن يخضع لفحص طبّي وأن يتغيّب عن المدرسة يوما واحدا. طلب من أمه أن لا يكون هذا اليوم الثلاثاء، لأنهم يقرؤون في الصف مسرحية «فادر» لراسين، وهو لا يريد أن يفوّت عليه هذا الجمال. ماذا يقول راسين للمراهقين؟ انتهى المقال، والمقصود به ليس الشّابّ بالطبع، إنما هو العبقريّ راسين، الذي استطاع حجز مكان له في قلب المراهق وذهنه. بعض نصوص الكتاب لا تتعدّى 100 كلمةٍ أو 30، مقالات تُشعرنا بأننا جزء دائم من الحياة، وحين ننتهي من الكتاب نكتشف فجأة أن سماء الأدب التي نتنقّل في ظلّها صارت أخفَّ ثقلا، بسبب روح المؤلفة السمحة واللطافة والرهافة في الذوق. المقالة عن خيط (أريان) تحتاج إلى فصل خاصّ منّي، ولا أريد بهذا الكلام تشويقكم للكتاب، لأن كلّ ما فيه سوف يشدّكم إليه، من الغلاف إلى الغلاف. «يتوجب تدمير الكائن البشري من جديد» هذه العبارة لغوته، وأضيفُ هنا من عندي: على أن يجري في عروق المخلوق الجديد عصير تشبّع من خلاصة التربية والتعليم في كتاب البروفيسورة الأديبة، لأنها أدخلت الفن في الحياة، وألزمت نفسها بالتالي طريقة البحث عن «الإنسان الكامل».

‏كاتب ‏عراقي