الرئيسية / home slide / الباحث التونسي مختار الفجاري حول «إعادة تشغيل العقل التاريخي العربي»: وضع الإسلام والدين على محك العقل والتاريخ

الباحث التونسي مختار الفجاري حول «إعادة تشغيل العقل التاريخي العربي»: وضع الإسلام والدين على محك العقل والتاريخ

نزار صالح
القدس العربي
10072022

هذه دراسة مفصلة ومطولة تقع في جزئين، وتطمح إلى استعادة تراث تاريخي عقلي طبع الدعوة الإسلامية والكثير من التيارات الفكرية والفلسفية في أطوار مختلفة من التاريخ الإسلامي، في مواجهة تيارات تأويلية تقيم تناقضاً بين الدين والتاريخ وتنتهي إلى التعسف والاستبداد. ويرى المؤلف أنّ تاريخية القرآن تكمن في بنيته الخارجية المشكلة في رحلة نصية من المكي الروحي إلى المدني التشريعي، وداخلية متمثلة في الحركة العقلية للمادّة اللغوية التي دُوّنت في المصحف. والدراسة بذلك تندرج في سلسلة من الأبحاث الجسورة التي سعت إلى إحقاق حقّ الإسلام لجهة صلاته الوثيقة بالتاريخ والعقل والحياة.
الهدف، كما يقول العنوان المشترك، يسعى إلى «إعادة تشغيل العقل التاريخي العربي» ضمن منطلق رئيس هو «ثنائية التراكم والتبادل»، إذ أنّ العقل التاريخي قائم على الاعتقاد الراسخ في أنّ «الزمن المعرفي يسير نحو الأفضل وأنّ المستقبل أفضل من الماضي» بناء على مبدئَيْ التراكم والتبادل. في الطرف الموازي، «ينتكس العقل التأويلي إلى الماضي»، ويرى تحت تأثير المقدّس أنّ «الزمن الأكثر معرفة هو العصر النبوي»، وأنّ المعرفة تتراجع من جيل إلى جيل. ذلك يفضي إلى ما يطلق عليه المؤلف صفة «المفارقة الكبرى»، أي التناقض البنيوي بين الديني والتاريخي ضمن السؤال التالي: «هل يعلو الدين على التاريخ، أم يستغرق التاريخ الدين»؟ وهذا يعني، في يقينه، أنّ «إعادة تشغيل العقل التاريخي العربي» تقف على طرفي نقيض مع العقل التأويلي. بذلك فإنّ منطلق العقل التاريخي العربي هو ما أطلق عليه المؤلف «التاريخية الإسلامية»، التي ترى أنّ الإسلام يخضع لمقولة «العقل يسيطر على العالم» أوّلاً؛ وأنّ الركيزة الثانية هي الإيمان بالله من دون التسليم بالأديان، وهو إيمان عصر التقنية بدلاً من «لإيمان الخضوع والخوف الأسطوري».
ثمة جديد سجالي في هذا الطرح، الذي يستعيد هيغل مراراً وتكراراً، لكنّ الدراسة لا تطوّر صياغة متكاملة لاشتغال العقل التأويلي اجتماعياً وثقافياً، وتميل أكثر إلى التسليم بما يسميه الفجاري «عجزاً معرفياً»: عن تحديد ماهية الكون واختراق «سجف أسراره ومعرفة كل ما سيحدث أو يقع للأفراد والشعوب»؛ حتى أنه يستعيد مقولة إخوان الصفا: «الإنسان كون صغير والكون إنسان كبير».
ينقسم الجزء الأول إلى ثلاثة أبواب، تبدأ بمناقشة نشأة العقل التاريخي العربي ضمن غاية إعادة قراءة «التأريخ التأويلي»؛ وثمة هنا ثلاثة فصول تدور حول مراحل التشكل الأولى ومركزية مكة، ثمّ العائلة النبوية الموسعة، والمركزية التجارية لمكة ونشأة نواة المدينة (إيلاف قريش، وحلف الفضول، وحكومة الملأ)، ثمّ مكة ضمن الصراع الإقليمي. فصل ثانٍ يعيد قراءة تاريخ الوثنية في الجزيرة العربية قبل الإسلام، لجهة التاريخية وتعدد الأديان، والمسيحية ديانة رسمية قبل الإسلام، وأديان العرب الأخرى. فصل ثالث يتوقف عند الشعر الجاهلي والتوحيد، فيناقش موضوعة امرئ القيس والتناص مع القرآن، وأمية بن أبي الصلت بوصفه النبيّ المهزوم. الباب الثاني يعود إلى ثورة الإسلام الأولى، وتاريخية البنية الخارجية للقرآن (القرآن والتاريخ، وتاريخية التكوين)؛ كما يناقش تاريخية البنية الداخلية للمصحف، في مستوى «هجرة النصّ»، ومفهوم «الآية»، وآثار المعنى التاريخي. فصل ثانٍ يتناول «الهجرة المعرفية»، من حيث نهاية الدين وبداية السياسة، سواء المعنى التاريخي عند النبي محمد أو عند الخليفة عمر، وصولاً إلى «محنة العقل التاريخي» في العصر الأموي (وقائع مثل مقتل معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم). الباب الثالث ينتقل إلى «العصر الذهبي للعقل التاريخي العربي» حيث التطور والنضج، فيقف على المناظرات والوجه التاريخي للعقل العربي في الخطاب الأدبي (الظاهرة الجاحظية)، والتأسيس الإبستمولوجي للمعرفة الإنسانية، وحركة «الخروج عن الدين» من القرن الثاني إلى القرن الرابع، وسيادة العقل التاريخي (ابن المقفع، سلطة العقل، تأسيس الروح العلمية).
الجزء الثاني من هذه الدراسة يقوم على أربعة أبواب، مستهلها نشأة العقل التأويلي، ونقد العقل التأويلي السني، ونقد العقل التأويلي الباطني، وصولاً إلى البحث عن «عقل تاريخي بديل يطرح الأدب الفلسفي بديلاً للمناهج الدينية». وفصول هذا الكتاب تشمل الردة السياسية وتصدع المشروع الإسلامي بعد النبي، وما يعتبره المؤلف ثورة مضادة أفسحت المجال أمام العقل التأويلي ثمّ الاستبداد و«تراجع المشروع الإسلامي». أبحاث أخرى تناقش رقابة العقل التأويلي الفقهي، والتأويلية التفسيرية والعقل التأويلي الأصولي ونقده لدى ابن رشد، ثمّ أزمة العقل التأويلي الصوفي، والغزالي، ومأزق ابن طفيل الإبستمولوجي، و«تهافت المنظومة». فصلان في الباب الرابع يدوران حول التنافر بين الأدب والدين، وقضايا الأدب الإسلامي، والعلوم البينية، والعلاقة التاريخية بين الأدب والفلسفة، وصولاً إلى مقارنات بين التراث العربي والتراث الغربي.
وهو يعتبر أنّ السردية الإسلامية ظلت «ولا تزال ترسخ أحاديث لبناء مشروعية قريش وأحقيتها بالخلافة على غيرها. والأمويون باعتبارهم إحدى ركائز قريش سينطلقون في التشريع السياسي لحكمهم واختيارهم مبدأ التوارث فيه. وهكذا تم تحويل الدين تأويلياً إلى آلة لترسيخ الاستبداد والتشريع له وذلك بالعودة إلى النص مصحفاً وسنّة، ووضع أصول إيديولوجيا الطاعة التي استمرت منذ الدولة الأموية وحتى الدولة الوهابية في العصر الحديث، بل حتى في أغلب الدول العربية ذات الحكم الرئاسي والجمهوري شكلاً».
ويلفت الفجاري الانتباه إلى أنّ «الأمويين تفطنوا لشيء مهم في فهم الدين وتوظيفه»، أي ما يطلق عليه صفة «الردّة المعرفية الكبرى»، لأنهم أدركوا أنّ السير على سنّة محمد وصحابته الأوائل وخاصة عمر «لن يوصلهم إلى بناء سلطان القهر الغشوم». لذلك «لم يكن في مصلحتهم تبنّي تاريخية الإسلام وسنّ مبدأ التطور والنسخ المستمر لكل طارئ من أجل المستقبل، كما فعل عمر مع قطع يد السارق مثلاً. ولم يقبلوا على الإطلاق فكرة ختم النبوة وبداية عهد مدني عقلاني يحتكم فيه للشورى ويتحرر فيه الفكر الإسلامي من سجن النصوص، ولم يعجبهم على الإطلاق التطور المطرد لفكر التنزيه والتوحيد على الطريقة الاعتزالية، وإنما عملوا عكس ذلك تماما، فأعلنوا التفسير الحرفي للنصوص وتطبيق أحكامها دون أي اجتهاد، وبينوا أنّ الجبرية هي الإسلام، وأنّ الدين الإسلامي هو أساساً دين الطاعة، وأنّ الله بالفعل له عرش وسماء وجنود».
جديرة بالتنويه رؤيته لحال تبجيل الأئمة عند الشيعة، وأنّ الأسباب ليست عقائد مشتركة بين المسلمين والنصارى بقدر ما هي «ظروف الحرب والمآسي الدموية الكبرى على امتداد زمني طويل نسبياً منذ واقعة صفين والجمل وكربلاء وغيرها من المذابح. لقد زرعت في النفوس مخيال الرعب والرجاء والتشبث بأي خيط من الأمل لدى الفقراء والمساكين المستضعفين في الأرض». وهو ما استغله رجال السياسة لينصّبوا أنفسهم أئمة قدّيسين، فيلتفّ حولهم الآلاف ثم الملايين في «مراقدهم وقبابهم وحسينيّاتهم باللطم والصلوات الغريبة. وقد خلقوا سردية شيعية لترسيخ مقام رفيع للإمام تكونت من أماديح نبوية في علي وأبنائه وأحفاده حتى أصبحت في العهود التالية بمثابة النواة التي تأسس عليها العقل التأويلي الشيعي، وقد تراكمت حولها إضافات عديدة جيلاً بعد جيل، وهذا ما يمكن تسميته بعملية التراكم الفكري».
لغة المؤلف لا تخلو من تعقيد في تركيب العبارة وصياغة الجملة، وهذا ناجم عن ميله إلى الإكثار من الاصطلاح الفقهي والديني المطعّم باشتقاقات أجنبية (يقول، مثلاً، في جملة واحدة قصيرة: «إنها ردّة إلى الغنوص الشرقي القديم على الطريقة الهرمسية»؛ أو يقول: «هكذا هي بنية العقل التي تم الإعلان عن موته بسبب هذه المعضلة، لأن إبستيمي ما بعد العقل أثبت فلسفة الاختلاف حيث لا حقيقة في الحقيقة».
يعتمد الفجاري مزيجاً من منهجيات التحليل الوصفي والتحليل التاريخي والاستقراء، وهي خيارات أفادت المحتوى رغم أنها لم تكن دائماً معينة للقارئ في استنتاج خلاصات نقدية خاصة به. وهو يميل إلى مدرسة تحليل الخطاب ويهتدي بأبحاث الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو واللغوي السويسري فرديناند دو سوسور، الأمر الذي لا يسفر عن نتائج موفقة دائماً. والدراسة جزء من اشتغاله على خطابات العقل والدين، كما في مؤلفات مثل «العقل التاريخي العربي»، و«الفكر العربي الإسلامي: من تأويلية المعنى إلى تأويلية الفهم»، و«حفريات في التأويل الإسلامي»، و«نقد العقل الإسلامي عند محمد أركون»، و«خطاب العقل عند العرب».
ويعترف المؤلف منذ المقدمة أنّ دراسته هذه لا تسعى إلى توفير بدائل فلسفية متكاملة للمسائل المعقدة العديدة التي تثيرها أبواب الجزأين وفصولهما، بل هي محاولات في البرهنة على أنّ «التاريخية الإسلامية» تتجاوز «الرؤية الأسطورية التي تعتقد في وجود إله يتكلم بلغة بشرية وأنه يرسل كائناً حياً مما يسمون الملائكة فينقل نصاً لنبي. فهذا تصوّر أسطوري تجاوزه العقل الحديث». كذلك فإنّ التاريخية الإسلامية «تقطع مع الرؤية العلمانية التي تنظر للدين الإسلامي على أنه مطابق بقية الأديان»، ضمن مسعى للحكم بأنّ «الإسلام دين لا علاقة له بالسياسة، تماماً كالدين المسيحي الكنسي الذي يرى ما لقيصر لقيصر وما لله لله».
وجديد الفجاري هو هذا الطموح، الجسور في الواقع، لإقامة الإيمان بالإسلام على ركائز تاريخية وعقلية؛ والعودة، في سياقات شتى، إلى تباشير الدعوة، والدولة، والخلافة، وتيارات التأويل والفقه والاستبداد واستبعاد العقل أو صعوده. وهذا لا يعني أنّ المآلات، رغم ضخامة الصفحات، كانت مجزية تماماً، خاصة حين تنتهي الدراسة إلى خلاصات أقرب إلى تحصيل حاصل منطقي في وضع الإسلام والدين على محك العقل والتاريخ.
د. مختار الفجاري: «العقل التاريخي العربي»
منشورات التاريخية الإسلامية، تونس 2020
388 صفحة.

نزار صالح