الباحثة المصرية بسمة عبد العزيز: السلطة القمعية تخلق سلماً يقهر فيه الأعلى الأدنى

 كه يلان محمد 
القدس العربي
08022019

حاورها: كه يلان مُحَمد: المُشتركُ بين الأنظمة الاستبدادية هو نقص في الشرعية، ولا يتمُ سد هذا النقص في المشروعية إلا بالتوغل في العنف وبث الرعب لدى الرعية، لأنَّه في ظلِ تلك النماذج التسلطية يخسرُ الإنسانُ حقوقه المدينية، ويصبحُ كائناً بلاصفات، وفي التالي يغيبُ مفهوم المواطن، وما يدعمُ النظام الاستبدادي ويمدهُ بعناصر الاستمرارية هو منظومة التعذيب التي تترصدُ المُعارضين، لذلك فمن الطبيعي أن يقترن وجود أي نظام استبدادي بما أنشأه من السجون والمعتقلات، تُقامُ فيها حفلات التنكيل والتعذيب والقهر، مع أن تاريخنا يحفلُ بالمآسي الناشئة من سياسات الأنظمة الاستبدادية وما رافقها من آليات التعذيب، لكن نادراً ما تجدُ الدراسات والمصادر التي تابعت أو وثقت ما خلفته تلك السياسات الممعنة في التعذيب على المستوى النفسي والاجتماعي والفكري، لأنَّ هذه العملية تتطلب جرأةً ورؤية واضحةً وهذا ما تراه في الكتاب الذي ألفته الباحثة المصرية بسمة عبد العزيز بعنوان «ذاكرة القهر» حيثُ تقومُ بتحليل مكونات منظومة التعذيب وتدرسُ سايكولوجيا الضحية والجلاد، بالاستناد إلى التجارب المُتعددة من البلدان العربية وأمريكا اللاتينية والصين والاتحاد السوفييتي السابق، وكان لـ«القدس العربي» حوار مع صاحبة «الطابور» حول ما ترمي إليه منظومة التعذيب ورهانات إعادة تأهيل الضحية وصورة الجلاد عن نفسه.

تأهيل الضحية أمر ليس من السهولة على الإطلاق في وجود بيئة حاضنة للجلاد، وفي ظل قصور التشريعات القانونية عن حماية من تعرضوا لجرائم التعذيب وإساءة المعاملة.

■ برأيك هل الهدف من وراء التعــذيب والتنكيل بالمُعارضين وتحطيم إرادتهم بأدوات مُختلفة، كما أشرت في «ذاكرة القهر» هو قمع المخالف في الرأي فقط، أم بث الخوف لدى كل المواطنين؟
□ للتعذيب والتنكيل بالمعارضين في أي نظام سياسي رسائل عدة، القمع والإسكات إحداها بالطبع، لكن الرسالة الأهم هي تلك التي تصل إلى المجتمع بأكمله، فتدفعه للاستسلام والخضوع، عبر بث الخوف والذعر، إضافة إلى تأكيد السيطرة في أذهان المواطنين، وتقويض الأمل الذي يتعلقون به، ومن ثم كسر أرواحهم. إنها الرسالة الأعمق والأقوى؛ ومن خلالها يستتب للسلطة القمعية الحكم.

■ وكيف يمكن إعادة تأهيل شخص (ضحية) ذاق كل صنوف العذاب في بيئة تحكمها منظومة التعذيب؟
□ تأهيل الضحية أمر ليس من السهولة على الإطلاق في وجود بيئة حاضنة للجلاد، وفي ظل قصور التشريعات القانونية عن حماية من تعرضوا لجرائم التعذيب وإساءة المعاملة، يمكن أن يتعرضوا للتهديد، وإعادة الاعتقال، كما قد يتم الاعتداء عليهم من جديد؛ سواء نفسيًا أو جسديًا. منظومة التعذيب تكفل النجاة للجلاد ولا تسترد حق ضحاياه، وكلما شعرت الضحية بأنها فقدت كرامتها وسلبت حقوقها، تعذّر تعافيها، واستعصى تأهيلها وإدماجها في المجتمع.

■ سجين صاحب المبدأ والموقف سياسي يكون أكثر قدرة على التحمل، ويجدُ مسوغاً لمعاناته، فما تفسيرُ الطبُ النفسي لمن ينقلبُ نقيضاً لمبادئه في السجن؟
□ تغيير القناعات أمر وارد الحدوث، لكنه يصبح محل شكوك كثيرة، حين يتخذ مجراه بينما المرء لا ينعم بحريته، ولا يتمتع بإرادة كاملة. هناك من يخضع لرغبة الجلاد ويردد المطلوب منه طمعًا في النجاة من الإذلال والقهر، وهناك من يلجأ للمساومات والمناورات فيتقرب من السلطة، ويتبنى رؤاها ويبررها، ويجد لها الإطار النظري المناسب، وهناك من يتراجع فعليًا عما سبق وآمن به؛ عن قناعة حقيقية وبغض النظر عن الضغوط. التعميم صعب؛ ولكل شخص ظروفه الخاصة، كما أن القدرة على تحمل الألم النفسي والجسدي والعزل عن المجتمع تتباين، وينعكس تباينها في رد فعل الضحية.

■ تتواردُ في «ذاكرة القهر» شهادات ومعلومات ضحايا السجن من سوريا ومصر السودان والصين والاتحاد السوفييتي السابق، فماذا بشأنِ الولايات المتحدة ومعتقل غوانتانامو، هل نفهم أنَّ منظومة التعذيب مكونُ أساسي في كل السلطة؟
□ في ظل بُنى سلطوية عمادها القمع، تتكون منظومة التعذيب المنهجي، وهي منظومة لا غنى عنها لإرساء قواعد الحكم وتدعيم النفوذ، ووأد محــــاولات الاحتجاج والتنظـــــيم في مهدها، أما في أنظـــمة تعتــمد أشكالا متنــــوعة من الديمقراطية، فالتعذيب حاضــــر أيضًا، لكنه لا يمارس بالصورة المنهجية التي نعرفها، بل يقع كاستثناء من القاعدة، ويحاسب مرتكبه ويخضع للعقاب الملائم، وإذا اتخذنا معتقل غوانتانامو وما تشابه معه من أماكن احتجاز كمثال؛ فسنجد أن جميعها لا يقع ضمن الأراضي الأمريكية، ذلك أن القوانين التي تحكمها تمنع هذه الجرائم، وبالتالي يتم اختيار أراض وحدود ودول أخرى يسمح نظامها بكل ما يشين. جدير بالإشارة أيضـــًا أن الكونغرس أصدر تقريرًا منذ بضع سنوات يدين فيه ممارســـات التعذيب التي تمت خارج الولايات المتحدة بمعــرفة مخابراتها، وتم نشره، الأمر الذي يعكس وجود آليات للمراجعة والمحاسبة، بدلا من التملص والإنكار.

■ تُفسرين قساوة وشدة الجلاد بوجود تراتبية قهرية تعولُ عليها الأنظمة الاستبدادية، ألا تؤدي هذه الظاهرة إلى تصاعد نسبة العنف بحيث يتحولُ كل فرد إلى ضحية وجلاد في الوقت نفسه؟
□ تمامًا، فالجلاد في المراتب الدنيا، هذا الذي يمسك في يده بالصاعق الكهربائي أو السوط، والذي يضرب الضحية ويعلقها أحيانًا كالذبيحة، قـــد يكون بدوره ضحية من ضحايا النظام، وقد أبرزت هذه الزاوية على صفحــــات الكتاب، فمن الجـــــلادين من يتعرض للقهر المتواصل إلى أن يتحول بدوره إلى جلاد جديد، ومنهم من تبين أنه يعاني أعراضًا نفسية تشبه تلك التي تظهر على الضحايا، لكن هناك في الوقت نفسه من يكون على النقيض؛ ثابت، غير عابئ لصرخات ضحيته، بل ومستمتع بها. فالأنظمة الاستبدادية تخلق سلمًا يقهر فيه الأعلى من هو أدنى منه درجة، ولا تعمل هذه المنظومة بكفاءة إلا لأن كل فرد يخشى مواجهة من يعلوه، فينتقم من الأضعف منه، أما لو تجلد وحاول رد الظلم لمرتكبه فستنعكس الآية وينقلب السلم رأسًا على عقب.

الجلاد في المراتب الدنيا، هذا الذي يمسك في يده بالصاعق الكهربائي أو السوط، والذي يضرب الضحية ويعلقها أحيانًا كالذبيحة، قـــد يكون بدوره ضحية من ضحايا النظام.

■ صورة الجلاد عن نفسه حاضرة في فصول الكتاب وهو مقتنع بما يقوم به ويرى نفسه على الصواب ما تحليل الطب النفسي لمراحل تكوين هذه الفكرة؟
□ بعض عتاة الجلادين وليس جميعهم، يصبحون بمرور الوقت على ثقة كاملة وتامة بأنهم إنما يخدمون الوطن بصنيعهم، وأنهم يحاربون أعداءه، وأنه لولاهم لتعرض للدمار. هذه الفكرة تتولد وتتعاظم وتستقر، وتصبح بالنسبة لصاحبها يقيــــنًا لا يحتمل الشك، وتعد من الآليات النفسية الدفاعــــية التي تنشأ في اللاوعي، لتجنب الشخص الصراع الداخلي الذي يؤرقه، وثمة خطـــــوات معروفة يقطعها هؤلاء إلى أن ينتهي بهم المطاف في حال من السلام الداخلي، بما يجعلهم على استعداد لتكرار أفاعيلهم لو عاد بهم الزمن للوراء.

■ توجدُ في الكتاب إحالات إلى المُعالجات السينمائية لمنظومة التعذيب، فيما غابت الإشاراتُ إلى النصوص الروائية التي تناولت تجربة السجن وآثارها على الضحية والجلاد مثل «شرق المتوسط»، «الكرنك»، وغيرها، ألا تعتبر تلك الأعمال مادة أساسية لتوثيق أنماط التعذيب ومقاربة نفسية الطرفين؟
□ بالتأكيد، لكن هذا الجانب الذي يعنى بالتناول السردي والدرامي للتعذيب، قد يحتاج وحده إلى عمل مستقل، كي يمكن استيفاء الطرح وتقديم نتائج يعتد بها، والحقيقة أن هذا لم يكن موضوع الكتاب الذي وصل عدد صفحاته إلى ما يربو على الخمسمئة صفحة، وعلى كل حال؛ أتمنى أن يكون هناك مِن المهتمين مَن يستكمل البحث والدراسة، ويتطرق لما تركت من أبواب؛ لعل مكتبتنا العربية تثرى بالمراجع في مضمار يتميز بشح الإنتاج المعرفي العربي رغم أهميته.

كلمات مفتاحية

القمعبسمة عبدالعزيزجرائم التعذيبذاكرة القهر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*