الرئيسية / home slide / البابا فرنسيس وأرض النساطرة… وشيرين

البابا فرنسيس وأرض النساطرة… وشيرين

 وسام سعادة
القدس العربي
08032021

فرنسيس الأوّل هو أوّل بابا لروما يطأ أرض العراق، مع أنّ أكثر مسيحيي هذا البلد ينتمون في العصر الحديث إلى الكثلكة، بخلاف أكثر مسيحيي مصر وسوريا، وفي سياق مغاير إلى حد بعيد عن خلفيات انضواء الموارنة – الذين يشكلون أكثرية مسيحيي لبنان – في الكثلكة.
ذلك أن النساطرة، الذي يتحدر منهم معظم كاثوليكيي العراق اليوم هم جماعة افترقت باكراً عن مسار الكنيسة الرومانية. أي على خلفية إدانة مجمع أفسس 431م لنسطورس المرعشي، الذي كان بطريركاً للقسطنطينية حتى ذلك الوقت، وجرى نفيه بعد ذلك إلى صعيد مصر.
وكانت إدانة نسطورس لرفضه القول بعقيدة الثيودوكوس («أم الإله»). لأجل ذلك عُرفت كنيسة أتباع نسطورس التي وجدت لنفسها ملاذاً في أراضي الإمبراطورية الفارسية الساسانية بأنها كنيسة المجمعين الأولين فقط (نيقية والقسطنطينية) أي السابقين على أفسس 431م وخلقيدون 451م.
كما عُرِفَت، من جملة ما عُرِفت بكنيسة بلاد فارس. ما دامت عاصمة الساسانيين، قسطيفون أو المدائن أقيمت على دجلة، غير بعيد عن المكان الذي اختاره أبو جعفر المنصور لاحقاً لتشييد بغداد.
لم تكن أمور النساطرة ميسّرة على الدوام مع أباطرة الفرس، لكنهم شكلوا خصماً لاهوتياً وسياسياً ضارياً ومقارعاً للمسيحية الرومانية، وارتبط بهذا الأمر الصراع جنوب الفرات وفي البادية، بين المناذرة، النساطرة العرب، والغساسنة، الذين كانوا حلفاء للروم، وان كانوا من أتباع عقيدة الطبيعة الإلهية الواحدة للمسيح وعلى غير عقيدة الروم في الطبيعتين.
ثمة قرون طويلة تفصل بين وقوع القطيعة المبكرة بين النساطرة وبين الكنيسة الرومانية وبين المسالك المتعرجة لإعادة إنخراط أحفادهم في فضاء الكثلثة في العصر الحديث.
وفي هذا المسار، كادت النسطورية أن تتحول إلى كنيسة عالمية مرتين.
الأولى حين نمت النسطورية بشكل متعاظم في حياة القرن الأخير من الإمبراطورية الساسانية، على حساب الزردشتية وفي منافسة مع المانوية، وثمة اليوم ميل لدى المؤرخين لمراجعة النظرة التي سادت مطولا عن الحرب العالمية الطويلة بين الفرس والروم 602-628، فلا يُصار الى رؤية بعدها الديني على انه صراع بين الزردشتية والمسيحية فقط، وانما كصراع قبل كل شيء بين مسيحيتين، واحدة نسطورية، ازدادت تغلغلا في بلاط كسرى وقادة جنده، وثانية رومانية على مذهب الطبيعتين.
وكانت زوجة كسرى الثاني بالفعل، ملكة الملكات شيرين، مسيحية نسطورية (يقال إنها جنحت لاحقاً لمذهب الطبيعة الواحدة) وهي نفسها شيرين التي ألهمت أبو القاسم الفردوسي في «ملحمة الملوك» أي «الشاهنامة» وذهب بها خيال الشاعر نظامي في «خسرو وشيرين» الى بكاء قصة حبها الممنوع والمفجع مع المعمار فرهاد.
أعظم الملكات في تاريخ الساسانيين اذاً كانت مسيحية، ونسطورية في الأساس، وفي بلاط على نهر دجلة. ذلك قبل خراب تلك الإمبراطورية بالهزيمة أمام هرقل الروم أولا، ثم أمام العرب.
لقد كانت الإمبراطورية الساسانية بصدد التنصر أكثر فأكثر في ذلك الوقت، وفي كتابها الشيق عن النساطرة، «حملة النور. ملحمة كنيسة بلاد فارس» لا تتردد الكاتبة الإيرانية باللغة الفرنسية «نهال تجدد» عن السؤال «ماذا لو». ماذا لو بكّر الساسانيون في اعتماد المسيحية النسطورية ديناً للإمبراطورية الفارسية، هل كان ذلك ليسمح بتفادي الفتح العربي؟ آخر اباطرة الساسان، يزدجرد، اعتنق النسطورية حسب تجدد.

تحتاج مسيحية الشرق العربي على اختلاف مشاربها إلى ربط مشكلاتها بالمشكلات الكونية التي تواجهها المسيحية المعاصرة نفسها، وعدم الاستمرار ضمن الهياكل المتقادمة المقوضة للاستمرار وحيويته

تترك نهال تجدد هذا السؤال المستفز بلا جواب، ويترك التاريخ لنا فترة ثانية صعد فيها نجم النسطورية مجددا، أيام الفتوحات المغولية، حيث كان اعتناق هذا النوع من المسيحية ينتشر في صفوف قادة الجيوش المغولية، بل وتتوطد النسطورية أكثر فأكثر في الصين، قبل أن تقضي عليها أسرة مينغ في القرن الرابع عشر. الى تلك الفترة تعود أيضاً بدايات التلاقي بين النسطورية وبين كنيسة روما.
بعد ذلك فتر نجم النسطورية، وأخذ المتحدرون منها بسلك الدروب التي ستمضي بهم نحو الانضواء في الكثلكة، وبدت الكثلكة في مطرح ما بالنسبة لهم بمثابة «استراحة محارب».
زيارة فرنسيس الأول للعراق حدث متعدد الأبعاد، لكن بعداً منه ينبغي أن لا يضيع، وهو أن كنيسة الشرق التي اتسعت من الرافدين حتى منغوليا والصين وجنوب الهند، لها تاريخ كامل سابق على انضوائها في الكثلكة. جميل انه لم يمنعها ذلك من الانتماء للكنيسة الكاثوليكية الجامعة في نهاية المطاف، وجميل أكثر لو أن هذا التاريخ لا يُنسى. لأن الكثلكة تحتاج إلى توسعة نفسها إلى هذا التاريخ أيضاً، والى محاولة فهم كيف أمكن لمسيحية من نوع آخر، ان تعبر كل ممالك آسيا، من ما بين النهرين حتى النهر الأصفر.
فهذا ليس أمراً تفصيلياً لمن ينشد الكونيّة في أساس نظرته لكنيسته، ونظرة كنيسته للعالم، ولمن لا يريد الاستسلام لتشاؤمية تقلّص العدد وتراجع الحضور، وهذا لأمر مفتاحي اذا ما أردنا أن نلتقط دلالات زيارة فرنسيس للعراق بشكل مغاير للقراءة التوظيفية السياسوية السريعة لهذا الحدث.
وفرنسيس الأرجنتيني، أول حبر أعظم يزور العراق، هو كذلك الأمر أول بابا تبوأ السدة من خارج أوروبا منذ فترة طويلة للغاية، ولو أنه ابن مهاجرين ايطاليين. آخر بابا غير أوروبي كان السوري غريغوريوس الثالث في القرن الثامن، ذلك انه ما بين القرنين السابع والثامن، ونتيجة لهجرة رهبان من سوريا وفلسطين الى روما (وليس الى القسطنطينية التي كانت تحت سلطة أتباع مذهب المشيئة الواحدة في ذلك الوقت، اي المذهب الذي أتهم به مطولا الموارنة بعد ذلك) وجد أكثر من بابا أصولهم من القدس وصور وأنطاكية، وكانت ثقافة هؤلاء يونانية، بحيث غلبت اليونانية على اللاتينية في فترتهم.
يمثل فرنسيس بمعنى من المعاني جنوب العالم، في فترة صار معظم كاثوليكيي العالم من هذا الجنوب، وأكثرهم في أمريكا اللاتينية. أي أنه يوحي بنوع من نزعة ولو جزئية لتخفيض المركزية الأوروبية المتأصلة في تاريخ الكثلكة. وهو يعبّر كذلك الأمر، من خلال زيارته – رغم جائحة كورونا – عن نفس الروحية التي جعلت البابوية تتعولم بالطواف حول العالم في النصف قرن الأخير، والجمع بين زيارة بيعات مسيحية محلية، وبين الطابع الرسمي للزيارة، وبين التعدد في معاني «المسكونية» سواء عنينا تقريبا بين المسيحيين من مختلف الكنائس، أو بين ديانات الإبراهيمية، أو حتى، ولو أنه لم يخض بعد بشكل منهجي على هذا الصعيد، مع الديانات غير الإبراهيمية، وخصوصا الأسيوية الدهارمية.
يبقى أن نظرة الفاتيكان حيال مسيحيي الشرق العربي لم تسلك بعد مسار نزع ولو قسط من هذه المركزية الأوروبية. نظرته لهم تتأرجح بين تثمين دورهم في الشهادة على بدايات ظهور المسيحية، وإسهامهم بالنهوض بمجتمعاتهم، ودورهم في تليين المشكلة بين الإسلام والغرب. هذا في حين تحتاج مسيحية الشرق العربي على اختلاف مشاربها الى ربط مشكلاتها بالمشكلات الكونية التي تواجهها المسيحية المعاصرة نفسها، وعدم الاستمرار ضمن الهياكل المتقادمة المقوضة للاستمرار وحيويته، مع الحاجة الى استيعاب الجماعات المسيحية في الشرق مساراتها التاريخية بشكل أكثر شمولية وإلماماً، أكثر ارتباطا بنظرة لتاريخ واسع المدى، كمثل المدى الذي جعل النسطورية تنمو وتشيع على طريق الحرير، وتخالط الزردشتية والشامانية والبوذية، مثلما خالطت الإسلام بعد ذلك، وكلما كان فهمنا للنسطورية أعمق كلما فهمنا أكثر سياق ظهور الإسلام.
وليس دور مسيحيي المنطقة تليين المشكلة بين الإسلام والغرب ولا تشديدها، ولا هم «ما قبل تاريخ» يتعرف من خلاله الغربيون على تاريخهم، فتاريخهم من تاريخ النساطرة مثلا، حتى الصين، ومن تاريخ السريان، من الرها ونصيبين وأفامية حتى السريان الملانكار على ساحل المالابار جنوب الهند.

كاتب لبناني