الانهيار يسبق الحكومة!

بعد ١٣ يوماً من إنتفاضة الشعب اللبناني، قدم الرئيس سعد الحريري إستقالتين، واحدة دستورية الى الرئيس ميشال عون والأخرى سياسية الى المنتفضين الذين يطالبون بتغيير جذري في الحياة السياسية اللبنانية تزيح من السلطة كل أولئك الذين أوصلوا لبنان الى حافة الإنهيار النهائي.

قبل الإستقالة كانت الحكومة قد خرجت بما سمّته، خطة إنقاذ إقتصادية من خمسة وعشرين بنداً، كانت بالنسبة الى الخبراء عبارة عن مسخرة، فقد سارعت وكالة “بلومبرغ” الى وصفها بأنها مجرد تأجيل ليوم الحساب، واننا ذاهبون حتماً الى جدولة الدين العام، بينما حذّرت وكالة “موديز” من ان هذه الخطة ستقوّض قدرة الدولة اللبنانية على خدمة ديونها بما يعني انها ستكون دولة مفلسة!

المأساة ان يوم الحساب الذي تحدثت عنه “بلومبرغ” وصل سريعاً، عندما أعلنت “موديز” الأربعاء عن خفض تصنيف لبنان مع نظرة مستقبلية سلبية مدتها ثلاثة أشهر، وان إحتياط النقد الأجنبي القابل للإستخدام لدى المصرف المركزي قد يستهلك في المدفوعات المقبلة هذه السنة لخدمة الدين العام للحكومة. وفي غضون ذلك كان البنك الدولي يبلغ الرئيس ميشال عون ان الوضع يصبح أكثر خطورة بمرور الوقت وان تحقيق التعافي ينطوي على تحديات أكبر داعياً الى تشكيل حكومة تلبي توقعات جميع اللبنانيين!

عن أي حكومة يتحدث البنك الدولي إذا كانت هذه الدولة المهترئة لم تستمع بعد الى الشعب الثائر في كل بقعة من هذا البلد البائس، ولم تلتفت الى تصنيفات الوكالات الدولية، بل راحت كما هو واضح، تعقد الرهانات أولاً على ان الطائفية والمذهبية كفيلتان بنسف الحراك الشعبي وربما بإدخاله في صدامات وإنقسامات وحتى بالإنزلاق الى الحرب الأهلية من جديد، وثانياً على ان التجمعات وقطع الطرق ستضع الثورة في مواجهة الإهالي وهو ما لم يحصل طبعاً، فكان فتح الطرق من دون وقوع إشكالات مع الجيش، المتعاطف قلبياً ووجدانياً مع مطالب الشعب!

لم يكن في حسبان الذين يريدون الإستثمار في الأزمة لرفع منسوب الشعبوية المسيحية، ليس في تنظيم تظاهرة في بعبدا تأييداً للنفس كما قالت مستشارة الرئيس وابنته كلودين عون فحسب، بل في محاولة الإمساك أو الإستئثار بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية بحجة اجراء مشاورات بهدف تسهيل التشكيل! ورغم ان الدستور لا يعيّن وقتاً للرئيس لتحديد موعد الإستشارات الملزمة، فقد بدا ان هناك ما يشبه الرهان على تعب الثورة رغم تصاعد وتيرتها والأداء المنظم كما ظهر أمس، لا بل كان من المثير الحديث عن إختراق في جدار الأزمة لمجرد قيام وساطة جمعت الرئيس الحريري مع الوزير جبران باسيل دون الإعلان عن أي تفاهم أو تقدم يذكر حول الصيغ الحكومية، التي ترفضها الإنتفاضة مطالبة بإسقاط كل السياسيّين! ولعل هذا ما دفع البعض الى تشبيه الأمر بانه محاولة للرد على إستقالة الحريري، والايحاء له بأن بعبدا تشكل الحكومة وبيت الوسط يبصم عليها، في ما يشكل تجاوزاً سافراً للدستور، لكن يبدو ان الحريري ليس مستعجلاً للعودة الى السرايا، وانه لم ينسَ أنه قدم إستقالته الى الإنتفاضة، لا ليطعنها في الظهر وهي تدعو الى حكومة خبراء من غير الحزبيين والسياسيين، ولهذا خرج من لقاء عون أمس متحدثاً عن إستمرار الدوران في حلقة البحث عن الحكومة المستحيلة!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*