الانتفاضة تتهيّأ على الأرض قبل “الكارثة”… تزخيم الساحات واستقطاب القضاء للإنقاذ

جدار ساحة رياض الصلح (حسام شبارو).

لا أحد يستطيع الإجابة عما سيحصل بعد اشهر عدة في البلد. فعندما تنهار القدرة المعيشية لدى اللبنانيين ويضرب الجوع الناس، ستكون الكارثة. وها هي الانتفاضة أو الثورة هذه المرة لن تتأخر كثيراً بالعودة في زخم أقوى وأكثر فاعلية، طالما أن النظام وطبقته السياسية يحمّلان الاكثرية الساحقة من اللبنانيين كلفة السياسات التي أنهكت البلد مالياً واقتصادياً وأفقرتهم، فيما حكومة الرئيس حسان دياب لم تقدم حتى اللحظة ما يطمئن الناس الى مستقبلهم ويعيد الثقة الى البلد المنهوب، والذي شارف الانهيار، من دون أن يتقدم المجتمع الدولي بأي خطوة لانتشاله من الهاوية التي انزلق اليها مشترطاً اصلاحات جذرية وسياسات مستقلة، وإن كانت العقوبات الأميركية الاخيرة على مؤسسات لـ”حزب الله” دفعت الأمور الى مزيد من التعقيد.

ثمة اقتناع لدى أهل الانتفاضة الشعبية التي لم تنطفئ، على رغم تراجع نبضها عما كان عند انطلاقتها في 17 تشرين الاول 2019، بأن النظام عاجز فعلاً عن إحداث تغيير إيجابي يحقق الانقاذ، فيما أظهرت سياسات الحكومة عدم استقلاليتها وارتباطها بالوصيّ السياسي الذي شكَّلها، أي العهد و”حزب الله” و”التيار الوطني الحر”، أو ما يسمى “محور الممانعة”، في حين ان القوى الاخرى التي قررت المعارضة، اي ما كان يُصطلح على تسميته قوى 14 اذار، ساهمت في اعادة الصراع الى ما كان عليه بين الاصطفافين الآذاريين، وسحبت جمهورها الى مكان آخر، وكأنها طعنت الانتفاضة وأثّرت على استقلاليتها. “الانتفاضة ستجدد رفضها لكل التركيب السياسي للنظام على مقلبيه”، وفق ما يقول ناشط سياسي في الانتفاضة، لكنها ستركز على الحكومة التي “خدعت الناس” وساهمت في إخماد وهج الانتفاضة بعد القمع والتخوين ثم الاختراق الذي مارسته قوى سياسية وطائفية تمسك بالقرار في البلد، إضافة الى حرف بعض مجموعات الانتفاضة عن هدفها الأصلي المتمثل بأولوية الانقاذ والاستقلالية والشروع بالاصلاح ومكافحة الفساد واستعادة الاموال المنهوبة، وصولاً إلى إحداث تغيير في تركيب النظام.

الواقع يشير الى أن البلد ذاهب الى مزيد من الازمات، لذا تتهيأ الانتفاضة للانطلاق مجدداً، لكن بوضوح أكثر، إذ تتواصل عشرات المجموعات، ويعقد ممثلوها اجتماعات غير معلنة للتنسيق والاتفاق على خطوط عريضة للعودة بزخم الى الساحات، فيما تسعى مجموعات أخرى الى بناء تشكيلات سياسية مع قوى وأحزاب خارج السلطة، لكن بعضها يصطدم بالسقف الذي يحدده لها طرف سياسي في “الممانعة”، وهو ما دفعها خلال لقاء في الحمراء الى اعلان بيان سياسي تحت مسمّى “التغيير” أدرجت فيه عناوين تتعلق بتحرير الأرض وكأنها خارج النص، علماً أن الساحات المتبقية للانتفاضة في بيروت والشمال والجنوب تحتاج الى اعادة تقويم وتنقيتها من محاولات التوظيف والاختراق لقوى سياسية تتحسب وتسعى لأن يكون لها دور بهدف الامساك بالانتفاضة في حال اشتعلت الساحات مجدداً.

المشكلة التي لا تزال تقف عائقاً أمام انطلاقة فاعلة للانتفاضة، تكمن في كيفية استقطاب الناس بشعارات واضحة، وهذا ما تعكسه النقاشات التي سمحت مثلاً بلقاءات وحوار صريح بين الحزب الشيوعي وحزب الكتائب، وبين الاخير ومنظمة العمل الشيوعي، من دون أن يكون هناك اتفاق على برنامج مشترك أو تنسيق سياسي، علماً ان بعض أجنحة الشيوعي هاجموا اللقاء واعتبروه تنكّراً لتاريخ الحزب، وهو ما يدل على حجم الخروق التي اصابت بعض الساحات.

لن تكون الانتفاضة هذه المرة بمعزل عن الفئات الشعبية، وهي تسعى الى التحرك مجدداً واستعادة النبض، قبل أن يتفلت الشارع نحو الفوضى. فالجوع لم يبدأ بعد، لكن الخوف من الكارثة الكبرى عندما تنهار القوة الشرائية للعاملين والموظفين. لن يكون عندئذ وفق السيناريوات المحتملة أي طرف سياسي خارج المواجهة، ولن يكون العهد خارج الاتهام، ولا الحكومة التي سيكون الشعار المقبل استقالتها، وكذلك أسلحة النظام الأخرى، من مجلس النواب الى القضاء ما لم تخرج استقلاليته الى العلن ويمارس دوره في محاسبة من أهدر أموال البلد، وعندها لا ينفع النفط ولا الغاز في إنقاذ لبنان.

جاءت عمليات استكشاف النفط في البلوك 4 لتعطي انطباعاً بأن المشكلات ستُحل في لبنان، لكن ذلك لا يغطي حالة الانهيار أمام الاستحقاقات الكثيرة وتراكم المشكلات، خصوصاً أن الجميع بات مقتنعاً بأن تعهدات “سيدر” لم تعد واقعية، فيما الفرنسيون باتوا يفكرون، وفق ما يقول الناشط، بطريقة مختلفة بهدف المساعدة على ضبط الوضع كي لا يذهب الى انهيار يهدد الاستقرار، علماً أن هناك انزعاجاً فرنسياً من عجز النظام اللبناني عن القيام باصلاحات كانت باريس تطلبها لتسييل قروض “سيدر”. لكن الفرنسيين أيضاً عاجزون عن اجتراح حلول اقتصادية ومالية وسياسية للحفاظ على التركيبة اللبنانية الراهنة التي باتت مهددة، وعلى هذا لا يتمايزون كثيرا عن الموقف الأميركي، انما يمكن اللعب تحت سقفه. لذا بات الوضع في البلد مهدداً والنقاش لم يعد ينحصر بحماية لبنان من الانهيار، انما بالعمل على عدم الانحدار الى أوضاع سيئة.

ينبئ الوضع الراهن بكارثة قد تصيب اللبنانيين، وفق خبير اقتصادي مناصر للانتفاضة، أولاً بسبب مؤشر سعر صرف الدولار مقابل الليرة وانعكاسه على كلفة المعيشة، اذ كيف يمكن أن يستمر اللبنانيون الذين يقبضون رواتبهم بالليرة، فإذا دق الجوع أبوابهم سينزلون الى الشارع. ويرى أن تزخيم الانتفاضة خيار قائم، فإما أن تنجح في تغيير موازين القوى واستقطاب حركة شعبية وازنة، وإما أن يذهب البلد الى الفوضى، علماً أن الصعوبة لا تزال تكمن في فك العلاقة بين الجمهور الطائفي وبين مرجعياته، وهنا العقدة الأساسية التي تواجه الانتفاضة ونبضها.

الانتفاضة تتهيأ، لكن عملها لا يكفي أيضاً في ضوء الخلافات القائمة بين المجموعات، إذ إنها ليست عصية ومحصّنة بالمطلق من محاولات الاختراق، وأيضاً التوظيف، وما يمكن أن يحدث من قمع منظم من قوى السلطة، انما العمل يتركز على رؤية مشتركة والتلاقي على أهداف محددة تتوجه الى الجيل الجديد الذي كسر الولاءات، والتوجه أيضاً الى القضاء لاستقطاب المستقلين منهم لتفعيل الانتفاضة ومنع الكارثة…

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

twitter: @ihaidar62

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*