الانتفاضة تتحضَّر لكسر جلسة الثقة… معركة ضد العهد واستبعاد “الجبهة السياسية”

متظاهرون في محيط ساحة النجمة (نبيل اسماعيل).

تتعرض الانتفاضة الشعبية لضغوط شديدة وحصار يهدف إلى تفكيكها وشرذمتها، بغية تحويلها إلى مجرد مجموعات غير فاعلة وبلا حصانة شعبية، ويسهل الانقضاض عليها. السلطة الممسكة بالقرار اليوم وعلى رأسها العهد وتياره “الوطني الحر” المتحالف مع “حزب الله”، تسعى الى اعادة الامور الى ما قبل 17 تشرين الأول، اي قبل انطلاق الانتفاضة. ومع الحكومة الجديدة برئاسة حسان دياب يتبين يوماً بعد يوم أن هناك توجهات بخيارات عدة لانهاء الانتفاضة، من بينها الخيار الأمني والتضييق على التظاهرات وملاحقة الناشطين، فضلاً عن حصر النشاطات بساحات محددة لإمرار مشاريع القبض على البلد.

جلسة الثقة النيابية ستكون محطة مفصلية لقدرة الانتفاضة على التأثير والخروج من حالة الشلل التي ادخلتها السلطة فيها، بعدما تمكن الخيار الامني من عزل الساحات في بيروت الى حد لم يعد في إمكان المنتفضين الضغط بقوة على النظام في عقر داره، خصوصاً بعدما أدى العنف الذي استُدرجت اليه الانتفاضة خلال أكثر من اسبوع في كانون الثاني الماضي الى ارتدادات وأثّر سلباً على الاستقطاب والحشد. وبينما قدمت حكومة دياب جسمها على أنها حكومة غير مستقلة وتأتمر بالوصاية السياسية عليها، وهذا ما ظهر في بنود بيانها الوزاري المستنسخ في مضمونه عن بيانات الحكومة السابقة، وتصرفها على أن شيئاً لم يتغير منذ 17 تشرين الاول 2019، لا بل ان الوضعين المصرفي والاقتصادي والانهيار المالي إلى تفاقم، وهو ما يدفع اللبنانيين الى التحرك ويضعهم أمام خيارات صعبة، ويرتب على الانتفاضة في هذه اللحظة بالذات مسؤولية إعادة الزخم الى تحركها واستعادة القدرة على المواجهة، خصوصاً خلال جلسة الثقة، واستباق هذا التحرك المفصلي بتحركات شعبية لاستمرار الضغط على الارض طالما أن عجز السلطة عن ايجاد الحلول للأزمة مستمر، لا بل ان النظام وصل الى الانسداد المفتوح على أزمات متتالية يظهر أن الانهيار المالي الحالي هو أحد أوجهها المباشرة.

الانتفاضة ستكون حاضرة بقوة خلال جلسة الثقة، ووفق سياسي متابع لمسار الانتفاضة، ستكون هذه المحطة مؤشراً الى ما ستذهب اليه الامور في البلد، حيث تتحضر الحكومة لإجراءات موجعة واتخاذ قرارات تحمّل الأكثرية الساحقة من اللبنانيين كلفة الازمة، مع الاستمرار في السياسات ذاتها التي كرستها الحكومة السابقة على المستويين المالي والاقتصادي، فيما القوى المتحكمة بالقرار وبالهيمنة على مفاصل الدولة لا تزال في سياساتها الداخلية والخارجية ترهن البلد للخارج. ويتبين، وفق السياسي نفسه، أن حكومة دياب هي حكومة اللون الواحد التي تنفذ سياسات غير مستقلة ولا انقاذية، وهو ما يُظهِر عجزها عن صوغ برنامج انتقالي حقيقي للمرحلة المقبلة، لا بل ان بيانها الوزاري يبرّئ الطبقة السياسية التي ألحقت بلبنان خسائر فادحة، وهي أيضاً تتبنى مشاريع وضعتها الحكومة السابقة وزادت المديونية والعجز. وفي جلسة الثقة التي تستعد لها الحكومة كما مجموعات الانتفاضة، سيكون التحدي هو القدرة على استقطاب فئات شعبية واسعة كانت نزلت الى الشارع مطالبة برحيل السلطة الفاسدة، وهو تحد يسعى النظام من خلاله الى كسر قدرة الانتفاضة و”تسكير” شرايين دعمها ليتمكن من اعطاء الثقة للحكومة والسير بمشاريع افقار اللبنانيين.

لكن المشكلة تظهر حتى الآن أن الانتفاضة أصابها بعض الوهن، ليس بسبب أحقية النزول الى الشارع، انما بعدما تمكنت أطراف في النظام لها قواعد مذهبية وعصبيات وتتحكم بالاجهزة من اختراق الانتفاضة وأخذ بعض مجموعاتها الى مسارات تخدم مصالحها. وبينما تعرف هذه القوى أن اسهل الخيارات هو بتوزيع الساحات الى خانات طائفية ومذهبية، عملت على أكثر من خط، وهي مستمرة في مصادرة مطالب الانتفاضة وكأنها مطالبها، حتى رئيس الحكومة حسان دياب يكرر امام زواره أن حكومته ولدت بفضل الانتفاضة وانه سيكون صوتها، بينما البيان الوزاري وتصرفات القوى الامنية تطعنها في العمق. وقد ظهر، وفق السياسي إياه، أن خططاً عدة تعدّها القوى السياسية في الغرف المغلقة لاخماد الانتفاضة، وصولاً الى تفكيك الخيم في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، وهي نحجت في زرع البعض في خيم معينة في الساحة سيكون تفكيكها بداية الحملة على الساحات، وإحداث انقسام بين المجموعات.

بدأت السلطة قبل أن يقر البيان الوزاري في الحكومة بعمليات قمع في مناطق سيطرة طائفية وحزبية، فإذا بالمعركة باتت مكشوفة بين جمهور لبناني قرر الإنتفاض على الفساد والتجويع والمحاصصة والضرائب، وبين السلطة التي بدأت التحضير لخطط جديدة، تقودها القوى النافذة في الحكم لإخماد الإنتفاضة بالقوة، وإن بطرق غير مباشرة، عبر محاصرة المعتصمين ومنع إقفال الطرق وترك فسحات صغيرة للتحرك ومنع التجمعات الكبرى الدامجة، وتقسيم الحشود خصوصاً خلال جلسة الثقة. ستواجه الحكومة الجديدة تحديات كبيرة، لكن قرارها يُتخذ من خارجها. في حين ان التحدي الأساسي أمام الانتفاضة لمواجهة الانهيار وسياسة الحكومة المتجاهلة لمطالب المنتفضين، يكمن في القدرة على الحشد، بعد اكثر من 110 أيام على انطلاقتها. ولأن هناك سباقا بين الانهيار والحل، الا أن الانفجار الناجم عن غضب الناس وجوعهم قد يؤدي الى الفوضى، ما لم تتمكن الانتفاضة من التقدم من خلال استقطاب فئات شعبية مؤثرة وقادرة على ممارسة ضغوط، لتفرض على الحكومة ان تتبنى برنامجا انتقاليا يعيد اليها استقلاليتها وقرارها، في وقت تسعى المجموعات والقوى المؤثرة في الانتفاضة إلى التنسيق لحماية الثورة ومكتسباتها، من دون أن تكون الخيارات محصورة ببناء شكل تنظيمي قد يتحول الى جبهة سياسية عريضة على طريقة الاحزاب، وهو ما ينهي تميزها وقدرتها على استقطاب كل الفئات المتضررة من سياسة السلطة واجراءاتها. وتنسق مجموعات الانتفاضة حول التحركات المقبلة، وتناقش كيفية مواجهة الاجراءات التي ستفرضها الحكومة الجديدة، لكن ليس في إمكانها تشكيل جبهة موحدة، علماً أن وضع الانتفاضة والبلد اختلفا عن المرحلة السابقة، وهو ما يتطلب رؤية أكثر وضوحاً وشفافية. وتعرف مجموعات الانتفاضة أن المواجهة المقبلة ستكون أكثر صعوبة في مواجهة تكتل السلطة وأساطينها، لذا يتركز النقاش اليوم حول كيفية منع اعطاء الثقة للحكومة والتأسيس للمواجهات الكبرى المقبلة.

brahim.haidar@annahar.com.lb

twitter: @ihaidar62

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*