الرئيسية / أخبار الاقتصاد / الانتفاضة الوطنيّة تفرض المصارحة

الانتفاضة الوطنيّة تفرض المصارحة

رياض الصلح (تصوير مروان عساف).

الرئيس الحريري استشعر من المواطنين عبر تصريحاتهم في التظاهرات تبرّم الشعب من مسيرة الحكم، وأعلن أنه سيقدم رزمة إصلاحات خلال 72 ساعة يأمل في الحصول على تأييدها من مختلف الأفرقاء السياسيّين.

وحينما أعلن الإصلاحات المقترحة قبل انتهاء المهلة بساعتين، وجد اللبنانيّون أن الرزمة تشمل بعض الإصلاحات لكنّها لا تتناول جوهر المشكلة الذي هو تعاظم كتلة الدين العام بسبب تمويل عجز الكهرباء مدى 10 سنين 2008 – 2018 بما يساوي 30 مليار دولار تشكّل مع فوائدها نسبة 52 في المئة من كتلة الدين العام. ويعلم اللبنانيّون أن هنالك إلتزامات لم تسدّدها الدولة لفرع الضمان الصحي في صندوق الضمان الاجتماعي، وأن ديون المستشفيات الخاصة لصندوق الضمان تزيد على 2000 مليار ل. ل.، والديون المستحقّة للمقاولين عن أعمال تمّ تنفيذها تبلغ مليار دولار. إضافة إلى ذلك، تدنّت مداخيل الهاتف الخليوي للدولة بما يساوي 400 مليون دولار سنوياً بسبب مبادرة الوزير نقولا صحناوي إلى إبلاغ الشركتين العاملتين أن دورهما توفير خدمة تقنية لكن تكاليف الموظفين والاستثمارات العملية على حساب الدولة.

في محاولة لتبيان نية الدولة محاسبة المنتفعين من العقود في مختلف مجالات الخدمات، سواء الهاتف أو الكهرباء أو النقل العام إلخ، اقترح رئيس الجمهورية الغاء سرية المصارف لكشف حسابات الوزراء وقريناتهم وأبنائهم في المصارف اللبنانية، وهو يعرف تمام المعرفة أنّ الحسابات الكبيرة خارج لبنان، والتصريح بالأموال والأملاك، الذي أنجزه الوزيران مروان حمادة وبطرس حرب، لا يمكن كشفه إلّا بعد وفاتهما حين تفتح افادتاهما المودعتين أعلى هيئة قضائيّة.

المواطنون الذين احتلّوا الساحات الرئيسية واعتبروا الإصلاحات غير كافية وأن أهل الحكم يتملّصون من الإفصاح عن أسباب العجز، وعجز الكهرباء وحده كان يكفي مقابل عجز 2012 و2013 لإنجاز شبكة حديثة ممتازة وبطاقة 3000 ميغاوات تكفي الحاجات على مختلف الصعد.

التظاهرات، بكثافة أعداد المشاركين فيها وجرأة النساء في التعبير عن مخاوفهنّ من السياسات المتّبعة على مستقبل أبنائهن، واقتراب المتظاهرين من القصر الجمهوري، أدهشت الوزير جبران باسيل الذي كان قد هدّد بالنزول إلى الشارع بأعداد ضخمة، وقد أدرك أنّ الشارع ليس معه وأن الثقل المسيحي تبدّد من يديه وأصبح ممثلاً في “القوات اللبنانية”، التي نالت أصلاً في الانتخابات النيابية أصواتاً تفوق ما حقّقه “التيار الوطني الحر”، وفي كتلة “المردة” و”الكتائب” والنواب المستقلّين.

اليوم الأوّل من تظاهرات التبرّم شهد بعض القساوة في تعامل قوى الأمن مع المتظاهرين، وإذا بقوى الجيش تحتل مقام حماية المتظاهرين من اليوم الثاني، ومبادرة الجيش برعاية اللبنانيين ليست جديدة، وكان الأمر المفاجئ في تصرّف قوى الجيش أنه كان بمبادرة من قيادة الجيش والمجلس العسكري لا من وزير الدفاع الذي حاول تحفيز الجيش للتصدّي للتظاهرات. والحقيقة أنّ المتظاهرين كانوا يتمنّون أن يتناقشوا مع وزير يدرك دور الجيش وقدراته، أي مع قائد شجاع وصاحب رأي واضح وخبرة عسكريّة ناصعة هو النائب شامل روكز الذي قاد الفرقة الأكثر شجاعة وفاعليّة في الجيش اللبناني أي فرقة المغاوير.

لقد تأخّر الحكم كثيراً في استشعار غليان الرأي العام، وتالياً سارع إلى اتخاذ قرارات إصلاحيّة غير كافية، ويكفي أنه أهمل السبب الرئيسي للعجز المالي، أي عجز مصلحة كهرباء لبنان التي لا توفّر سوى 1600 ميغاوات منها 250 ميغاوات من السفن المستأجرة، وخطّة الكهرباء التي تبنّاها مجلس الوزراء تهدف إلى تأمين 1400 ميغاوات من إنتاج الطاقة من السفن التركية، وذلك بعد التعاقد مع أربع سفن إضافيّة، وحينئذٍ نرفع العجز المتوقّع لقطاع الكهرباء 3 – 4 مليارات دولار خلال ثلاث سنوات. ومشروع معالجة الكهرباء كما هو معروض أفضل دليل على فشل الوزيرة في محاولة معالجة المعضلة القائمة والتي عالجها المصريون مع شركة سيمنز بانجاز 14000 ميغاوات خلال سنتين، ناهيك بالأردن الذي رفع طاقته الانتاجية من الألواح الحراريّة 1000 ميغاوات خلال السنة المنصرمة بالتعاون مع الصين التي هي الدولة المُنتجة لهذه الألواح بأدنى الأسعار.

الإصلاحات شملت إنشاء الهيئة الناظمة للكهرباء، وفي المناسبة جرى التحضير لهذه الخطوة صيف 2005، وكانت الوزيرة أكّدت أن اختيار أعضاء اللجنة يستوجب ثلاث سنوات، تكون خلالها قد أشرفت على استثمار هذا القطاع بكامله، ويكفي هذا التوجّه لاستبدال الوزيرة بنائب مُقتدر ويعرف خصائص هذا العمل هو نعمة جورج افرام. وأفضل دليل على ابتعاد الوزيرة عن الإلمام بشؤون الاقتصاد ونمو الطلب على الكهرباء، بناء خطتها على أساس نمو الدخل القومي بمعدّل 50 في المئة سنويّاً، ولا نعلم كيف يقتنص معدّل النمو هذا، وقد بات مرجّحاً أن يتراجع النموّ لهذه السنة بعد التظاهرات بنسبة 20 في المئة.

إن القول بأن العجز في موازنة 2020 هو دون الواحد في المئة ضرب من الخيال، فهذا النظام عجز عن حصر العجز في نسب أعلن عنها مراراً، كما فعل النائب كنعان حينما أعلن أن عجز الموازنة عام 2018 سينخفض 500 مليون دولار، فإذا به يزيد على 1٫2 مليار دولار، وهو كان يقول بأنّ العجز هذه السنة لن يزيد عن 7٫6 في المئة وقد بلغ حتى تاريخه 9 في المئة ويقدر أن يتجاوز الـ 11 في المئة بنهاية السنة.

لا حاجة إضافيّة إلى شرح الوضع، والعلاج يكون بالتعاقد مع شركة كشركة “سيمنز” لتجهيز 3000 ميغاوات على سنتين، وتشغيلها وتقديم تمويل طويل المدى بفائدة 2 في المئة، والتوجّه إلى الصينيّين لادارة مرفأ طرابلس بعد إنجاز حائط الحماية ومعالجة مكب النفايات المُتاخم له، وتشغيل مطار الرئيس الشهيد رينه معوض، وتأسيس مصرف برأسمال 3 مليارات دولار في لبنان، فتكون مشاكلنا قد بدأت تتّجه نحو الحلحلة.

اضف رد