الانتخابات النيابية..غياب الثقافة وتشريع الحشيشة

محمد حجيري|الأحد08/04/2018

Almodon.com

وردت هذه الصورة في الفايسبوك
أيام الوصاية السورية، كانت الانتخابات النيابية (وكل الانتخابات النقابية والاختيارية والبلدية) تحصل بإدارة المخابرات السورية وتوابعها، بدءاً من إقرار القانون الانتخابي، مروراً بالمرشحين المختارين – الفائزين وحتى الخاسرين. كان المجلس النيابي سورياً بامتياز، يطعمونه ببعض الأسماء “السيادية” (بطرس حرب، الراحل نسيب لحود) التي تعترض لكنها تعرف حدودها ودبلوماسيتها، والناس تتلهى بمسرح المجلس الذي يقر قانوناً في اليوم الأول بشبه اجماع، ويلغيه في اليوم الثاني بشبه اجماع بعد تلقيه اتصالاً من عنجر. في ذلك الزمن، كان الاعتراض على شكل الانتخابات، جزءاً من النشاط الثقافي، سواء من خلال المقالات او اللقاءات. كان للثقافة وقعها المعنوي المقبول من أقلام وضاح شرارة وأحمد بيضون وسمير قصير إلى ملحق النهار، وكذلك كان لـ”الجمعية اللبنانية من اجل ديمقراطية الانتخابات” صوتها وحضورها، ولبيانات المطارنة الموارنة في زمن الكاردينال نصرالله صفر رنينها، دون أن ننسى أن الأوساط الثقافية خدعت ببعض الأسماء التي كانت تدور في فلك المخابرات السورية وتوابعها (نجاح واكيم نموذجا).

كان خروج الجيش السوري من لبنان لحظة تاريخية، بعد أكثر من ربع قرن من وصاية البؤس والهوان. لكن بعد عام 2005 غرقنا في ثقافة المحاور وثقافة الشارع. جزء من المثقفين راهن على الدولة وقيامها والعبور إليها، وخيّبت آمالهم المحاصصة والاتفاقات والتسويات، وجزء آخر كان يغني على ليلاه في ميدان “الممانعة”. استمرت وتيرة المحاور نفسها في انتخابات 2009 والصراع بين ثقافة الدولة وثقافة السلاح، من دون أن نصل إلى أدنى حل، بل وصلنا الى مستنقع الإحباط، بدا كأن معظم المثقفين غادروا المشهد، آثروا الانزواء أو الصمت، وربما مشهدية تفكك ثقافة الحركة الوطنية تكررت في 14 آذار، انفخت “الدف الوطني” وتفرق العشاق، عادوا إلى القوقعة أو اللامبالاة والأعمال الخاصة. الآن، في العام 2018، تبدو الأمور أكثر ضبابية وأكثر تعقيداً ووقاحة وفجاجة وسخفاً، أقرّت الكتل النيابية المسيطرة قانوناً انتخابياً “انكشارياً” بوصاية حزب الله بدل المخابرات السورية. كان قانون اللحظة الأخيرة، ولم ينج من هجاء بعض أركان السلطة، الى درجة سمّوه “القانون المسخ” و”القانون الخبيث” و”اللئيم”. وحده حزب الله اعتبره القانون الأمثل منذ تأسيس الجمهورية اللبنانية، ربما لأن حزب الله الأكثر ارتياحاً في هذا القانون، ومع ذلك لم يتردد في تكفير من يجرب أن ينافسه أو يعترض على سياسته.

سقطت موجات الاصطفاف العبثي بين 8 و14 آذار في وتيرة تحالفات سوريالية عبثية وإن بقي الصراع قائماً أو مؤجلاً أو مقنعاً، ولا مجال لأي طموح ثقافي – سياسي، رأينا السيادي في أحضان القومي الاجتماعي السوري، والمستقبلي يداً بيد مع الارسلاني، والأبناء في مواجهة الآباء أو على خطاهم، والمسيحي المتزمت (الباسيلي) في خندق واحد مع الإخواني المتهم بالإرهاب، واليساري النقابي تحت مظلة الرأسمالي، والمدني متلطياً خلف العسكريتاري، والحزبي الإلهي مع قدامى المحاربين القواتيين، ورجل الكسارات وطحن الجبال مع “التقيّ” ومن يدعي محاربة الفساد، والمتموّل يطيح بـ”الحزبي المخضرم” أو يشتريه، والشيوعي الإلحادي مع العلماء المسلمين… نحن في ذروة البراغماتية والمَكيافيليّة التي فرضها القانون الأعوج، اذ لا صوت يعلو فوق صوت “الحاصل الانتخابي” و”الصوت التفضيلي”.

كل شيء حضر في هذه الانتخابات إلا الثقافة بمعناها التقليدي، كل شي وجد فرصته للبروز إلا مشروع ثقافة الدولة. لا مجال للحديث في الثقافة السياسية او التقليدية، طالما ان كل فريق يريد حصد أكبر عدد من النواب، ووصفت التحالفات بأنها “زواج مصلحة” و”سفاح قربى”. بمعنى آخر نحن أمام هذيان انتخابي، أمام سياسة تحفز الأشخاص على الندالة كرمى لعيون الكرسي.

في الثقافة تعب حبيب صادق، وغاب سمير فرنجية، وأقفلت المنابر الورقية والثقافية وتفرقت بعض المجموعات الثقافية أو هاجر أركانها أو صمتوا أو شعروا بالقرف. كتب سامر فرنجية “على رغم محاولاتي المتكررة لكي أتحمّس للانتخابات النيابية المقبلة، لم أستطع أن أقاوم الإحساس العارم باللامبالاة تجاه الاستحقاق الآتي. حاولت أن أقتنع بضجيج “المجتمع المدني”، ولكن صيحات النضال ولدت ضجراً فاقم الإحساس باللامبالاة”. لقد غلبت ساحة الفايسبوك على كل شيء، صرنا في زمن الناشط الفايسبوكي والتغريدة والهاشتاغ. صدرت بيانات ثقافية شحيحة حول الإنتخابات والقانون، وبدا كأنها ولدت في الفايسبوك وماتت في الفايسبوك. كتبها اشخاص ووزعت، وحملت تواقيع كثيرة، بعضهم وقعها دون ان يعرف مضمونها أو ضجر من مضمونها، وكانت بلا تأثير وبلا اثر. عدا ترهل ثقافة الاعتراض، اندفع كثيرون من الإعلاميين للترشح للانتخابات، بلا أي سياق، بلا أي مشروع، بلا اي مقدمات. جزء كبير منهم ربما اعتبر الشهرة طريقة لجذب الناخبين، وجزء آخر انسحب، وجزء ثالث دخل في المعمعة. غابت الثقافة وحضرت “شلل” المجتمع المدني وحزب سبعة صاحب الاندفاعة الغريبة في الدعايات الفايسبوكية، واستقطاب الكثير من الوجوه الاعلامية والسير بمسار لا يشبه الاحزب التقليدية في الترشح، وهو خارج الكانتونات الطائفية، يتشكل من اناس متضررين من ممارسات من هم في السلطة، على أن أحد شعارات حزب سبعة الدعائية تقول “نحن لا معارضة ولا موالاة، لا 8 ولا 14″، كأني بهم يذكرونني بمقولة جورج نقاش “نافيتان لا تصنعان أمة”، وهم أيضا أمام نافيتان لا تصنعان حزباً.

حولت الحملات الانتخابية الشعارات إلى كوميديا عن قصد أو عن غير قصد، بدءاً من غيبيات الخرزة الزرقاء، مروراً بالشعارات الضيعجية في المدن ضد “الغريب” والتي تريد فحص دم المرشح لتبيان نسبه وأصله وفصله… حتى الشعارات المطلبية _الاجتماعية والسياسية تبدو غارقة في الحمق. مرشح عاطل عن العمل يعدنا بفرص العمل فور نجاحه، ومرشحة أخرى تتحدث عن نزع سلاح حزب الله كما لو أنها صاحبة القرار بهذا الخصوص، بعضهم يعدنا بالشقق بأبخس الاثمان، وأحدهم يقول لنا بكل وضوح وربما بشيء من المزاح”معا نستطيع تشريع زراعة الحشيشة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*