الرئيسية / مقالات / الانتخابات النيابية المبكرة فخ للثورة لا للطبقة السياسية

الانتخابات النيابية المبكرة فخ للثورة لا للطبقة السياسية

(نبيل اسماعيل)

بين الشعارات الأكثر تداولاً وتبنِّياً بين ناشطي ومتظاهري ثورة 17 تشرين الأول شعار بل مطلب إجراء انتخابات نيابية مبكرة على أساس قانون جديد.

رغم القيمة التعبويّة الأكيدة لهذا الشعار من حيث مساهمته في إفقاد مجلس النواب الحالي وعبره الطبقة السياسية لشرعيتيهما، إلا أن نتائجه غير مضمونة ولربما أدى إلى نتيجة عكسية هي أنه عبر وسائل ضغط وسيطرة تستعيد الطبقةُ السياسيةُ وأحزابُها الرئيسية مجموعةً كبيرة إن لم تكن الأكثرية الساحقة من المقاعد في البرلمان، مما سيؤدي إلى توجيه ضربة معنوية وسياسية قاصمة لثورة 17 تشرين الأول. بل لفكرة التغيير نفسها.

لماذا؟

1- ليست هناك أي ضمانة أن تقبل الطبقة السياسية عبر هذا البرلمان بقانون تغييري للانتخابات خصوصاً مع ترداد البعض ببغائياً لشعار جعل لبنان دائرة واحدة دون أن ينتبه هذا البعض إلى أن مطلب لبنان دائرة واحدة يلعب على، ويتلاعب بِ، ويحرّك هواجس المسيحيين والدروز ويحوِّل الدعوة إلى تغيير النظام إلى دعوة لتغيير الصيغة بل الكيان. عبقرية الثورة أن تجد معادلة خلّاقة بين تغيير النظام الطائفي وبين الحفاظ على الكيان، بكلام آخر بين تغيير نظام فاشل وبين الحفاظ على التنوع الديموغرافي. حتى البوق الشيعي أو السني يعرف أن لبنان دائرة واحدة ليست سوى سلاح تهديدي للأخصام.

استمعتُ منذ أيام على إذاعة صوت لبنان إلى مقابلة مع رئيس الجامعة اليسوعية الأب سليم دكاش. دعا هذا الأب المسؤول عن إحدى أبرز جامعات الشرق الأوسط والجامعة العريقة التي تمثل بعض أبرز ما يميِّز الجماعة المسيحية في لبنان التي هي أصلاً مساهِمة في الصورة التي اتخذها الكيان اللبناني. دعا رئيس جامعة القديس يوسف إلى تجاوز النظام الطائفي نحو نظام عابر للطوائف. هذا موقف شديد الطليعيّة ويكسر الحلقة المفرغة التي يُفترَض فيها أن اليسوعيين كجزء كبير من الكهنوت المسيحي اللبناني يربط بين النظام الطائفي القائم وبين حماية المسيحيّين.

لاشك أن فكرة نظام عابر للطوائف لا تزال تحتاج إلى بلورة في نطاق الجيل الجديد من الإصلاحيين الذين أفرزتهم ثورة 17 تشرين من حيث أعرف أن رأيي يثير خلافاً واسعاً مع بعض الفكر الإصلاحي “القديم” من ذوي النيات و الخلفيات الحسنة.

2- أعتقد أن على عقول الثورة وناشطيها إيلاء مجرى عملية يوم الاقتراع أهمية خاصة. بحيث تدرس مع مرجعيات أجنبية كيفية تدويل الانتخابات اللبنانية.التدويل الفعلي عبر مجلس الأمن، لمشاركة أكثر تتجاوز هيئات مراقبة من منظمات حكومية ثبت عدم فعاليتها.

أي قانون انتخاب مهما كانت منطقيته التغييرية ونزاهته سيتحطّم على مذبح سيطرة قوى الأمر الواقع التي تملك أجهزة أمنية وإدارية وبلدية هي نفسها أو معظمها ميليشياتها السابقة القادرة على التحكّم بأقلام الاقتراع “الساقطة عسكرياً” كما في جنوب لبنان مثلاً.

ليست كل المناطق متشابهة. فأصعبها على التغيير هي معظم الدوائر في جنوب لبنان وبعض جهات البقاع وجبل لبنان. عدا ذلك يتكفّل التنوّع الديموغرافي (أو السياسي كما عندالمسيحيين) والتنوع العائد عند السنّة بتأمين أجواء تنافس أهلي حقيقي ربما وجد فيه بعض مرشحي الحراك المدني منفذاً شعبياً للفوز.

3- لا تستطيع الثورة أن تتلافى النضال من أجل قانون انتخابي يمنع استخدام المال الفاحش وأجهزة الدولة في النشاط الانتخابي لكن أمام الإصرار الأكيد للطبقة السياسية على تكريس استخدام كل أشكال النفوذ التي تتمتّع بها فإن خيار مقاطعة الانتخابات واعتبارها مزوّرة سلفاً هو خيار ثوري يجب أن يكون صارماً.

هناك عدد من المعضلات في هذا الرأي ولعل البعض سيجد فيه تناقضا صارخاً. إذْ كيف على الثورة التي وجّهت أكبر ضربة للطبقة السياسية من حيث إفقاد هذه الطبقة شرعيتها الأخلاقية والحوكمية بشكلٍ لا سابق له في تاريخ الدولة اللبنانية، كيف لها أن تتخلى عن مطلب إجراء انتخابات نيابية مبكرة من المفترَض أنها هي الطريق الدستوري والسلمي والديموقراطي للتغيير؟

الجواب الذي قد يكون مُقْنِعاً هو التركيز على الاستمرار بالضغط لأجل تحقيق خطوات تؤدي إلى المزيد من فضح فساد وعدم أهلية البنية السياسية ككشف أسماء كبار الفاسدين وأرقام تهريبهم للأموال إلى الخارج والسعي للضغط على القضاء كي يتحرك في ملفات فساد تشغل الرأي العام.

كذلك الضغط لتأمين استقالة المجلس النيابي وجعل نقاش قانون الانتخابات يتم في ظل هذه الاستقالة وليس دونها.

خلاصة هذا الرأي هو أن الانتخابات لا يجب أن تكون مبكرة.

السؤال الآخر الجوهري هو هل يمكن اختزال نتائج أهم ثورة غير طائفية في لبنان خلال مائة عام على تأسيسه بوصول كتلة من النواب الشباب الجدد قد لا يتجاوز عددُها أصابعَ اليد أو اليدين؟

jihad.elzein@annahar.com.lb Twitter: @ j_elzein

اضف رد