الرئيسية / home slide / الاقتصاد والطوائف في نشوء لبنان الكبير (1-3)

الاقتصاد والطوائف في نشوء لبنان الكبير (1-3)

فواز طرابلسي
الأربعاء16/12/2020
Almodon.com

سفينة “شامبوليون” في مرفأ بيروت – 1939

يسعى هذا البحث إلى إعادة الاعتبار لدور الاقتصاد السياسيّ في نشوء دولة «لبنان الكبير» في أيلول/ سبتمبر ١٩٢٠. دَرج الحديث عن ذلك الحدث بالتركيز على تلبية رغبات المسيحيين والموارنة خصوصًا لبناء وطنٍ قوميٍّ لهم في إطار تقسيم سورية على أساسٍ طائفيّ وفقًا لاتفاق سايكس- بيكو.

أنطلقُ في ما يلي من أنّ ما جرى كنايةٌ عن عمليّةٍ استعماريّةٍ متكاملةٍ لا تقتصر على تقاسم السيطرة والنفوذ بين قوّتين استعماريتين وإنما تضمَن لكلٍّ منهما التوسعَ الجغرافي وحمايةَ مواقع ومرافىء وخطوط سكك حديد والسيطرة على موارد وتنمية الاستثمارات ومنع الخصم من الاستحواذ عليها. وقد تداخلت العوامل الاقتصادية في استعمار سورية مع توسّل حماية الأقليات الدينية كمبرّر لنيل الانتداب على الولايات العربية من السلطنة العثمانية، وانتصر هذا المبرّر في مؤتمر الصلح في باريس عام ١٩١٩ على مبدأ الرئيس الأميركي ولسن في تقرير المصير وحتى على إمكان استطلاع آراء السكان. وبُعيد فرض أنظمة الانتداب، انقلبت الطوائف والمجموعات الإثنية إلى مرتكزاتٍ للتجزئة والسيطرة وإضعاف المقاومات الشعبيّة.

محور هذا البحث هو متابعة الجدل بين هذين العاملين في إنتاج «لبنان الكبير». ففي الحصيلة لم تكن ولادة «لبنان الكبير» أقلّ طبيعية، ولا أقلّ اصطناعًا، من ولادة سائر كيانات المشرق العربي التي تعرّضت جميعًا إلى عملية فرز وضم للأقضية والولايات العثمانية السابقة، بناءً على إعلان بلفور ١٩١٧ ومقررات مؤتمر سان ريمو ١٩٢٠ والمؤتمر الكولونيالي البريطاني ١٩٢١ فلم تبقِ كبيرَ أثرٍ لاتفاق سايكس- بيكو الأصلي عام ١٩١٦.

التصوّرات والمحاولات الأولى
بدأ الاهتمام الفرنسيّ الجادّ باستعمار سورية في عهد نابليون الثالث (١٨٥٢-١٨٧٠). بعد فترةٍ وجيزةٍ من وصوله إلى السلطة، أطلق الإمبراطورُ سراحَ الأمير عبد القادر الجزائري، قائد المقاومة الجزائرية المأسور في فرنسا، وسمح له بالمغادرة للاستقرار في دمشق. في العام ١٨٥٨، صدر في باريس منشورٌ بعنوان «عبد القادر إمبراطورًا على العرب» يطرح مشروع «المملكة العربية» التي تشمل الولايات العربية من السلطنة العثمانية برئاسة الأمير. وتلازم الإفصاح عن ذلك المشروع مع المطالبة بشَقّ قناة السويس بناءً على مشروع أعدّه المهندس الفرنسي فردينان دُلسِبس. ولشدّة شغف نابليون الثالث باستعمار سورية، ألّف نشيدًا عنوانه “في الطريق إلى سورية” لحّنته والدتُه يدغم فيه ذكريات الحروب الصليبية مع المطامع الكولونيالية الحديثة، إذ يروي قصةَ مقاتلٍ في الحروب الصليبية وقد استُعيد لهذا الغرض اسمُ سورية الطبيعية بما فيها فلسطين.

(*)
سنحت للإمبراطور فرصة مؤاتية لوضع موطىء قدمٍ في سورية عندما نجح في الاستحصال على إجازة أوروبية، رغم ممانعة بريطانيّة قوية، للتدخل العسكري في المنطقة عقب حرب ١٨٦٠ الأهلية والمجازر بحق المسيحيين في جبل لبنان ودمشق. في ١٦ آب/ أغسطس من ذلك العام أنزلت سفنٌ حربية فرنسية نحو ٦ آلاف جندي بحري فرنسي في بيروت بقيادة شارل هنري دو بوفور دوتبول، أحد قدامى جنرالات حرب الجزائر وسجّان الأمير عبد القادر فترة الأسر. استبقَت اسطنبولُ الحملةَ الفرنسيةَ فأوفدت وزيرَ خارجيتها فؤاد باشا الذي عاقب العسكريين العثمانيين والوجهاءَ السوريين المتهمين بالتحريض على مجزرة دمشق، وتمكّن من احتواء حركة القوات الفرنسية وحصرها بمناطق محدودة من جبل لبنان، فاقتصر عملها على تقديم المساعدات للضحايا وإعادة عاملات وعمّال حلالات ومغازل الحرير إلى العمل، حسب توصية أصحابها الفرنسيين وغرفتَي تجارة ليون ومارسيليا. وفي تقليدٍ لحملة عمّه نابليون الأول على مصر، وما رافقه من اكتشاف للحضارة الفرعونية، أوفد نابليون الثالث المستشرقَ إرنست رنان لاكتشاف الحضارة الفينيقية، ما أرسى الأساسَ لتأصيل الكيانيّة اللبنانيّة على ذلك الماضي العريق. وأخيرًا ليس آخرًا، ضمّت الحملة العسكرية الفرنسية مفرزة طوبغرافيا كلّفها الامبراطورُ رسمَ خريطةٍ للساحل تخدم في احتلال الداخل السوري عبر جبل لبنان.

لم تغادر القوات الفرنسية المنطقة إلا بعد قيام متصرفية جبل لبنان عام ١٨٦١ بناءً على تسوية بين فرنسا والسلطنة، تراجع نابليون في سبيلها عن مشروع المملكة العربية، علمًا أنّ عبد عبد القادر رفض أي دورٍ له فيها، كما عن الإمارة المسيحية على جبل لبنان، التي كان يسعى إليها يوسف كرم بدعمٍ من القنصل الفرنسي في بيروت. وقضى بروتوكول العام ١٨٦١، وتعديله العام ١٨٦٤، الذي أقرّته الدولُ السبعُ المعنيّة بالأزمة اللبنانية[1] إعادةَ توحيد قائم مقاميّتي جبل لبنان في متصرفية تتمتع بقدرٍ من الحكم الذاتي يديرها حاكم عثماني مسيحي (غير عربي تختاره إسطنبول وتوافق عليه الدول الاوروبية الستّ) يعاونه مجلس إدارة منتخب من ١٢ عضوًا موزعين على أساس طائفي بأكثرية مسيحية. وسوف يؤسس هذا التدبير لنظام التمثيل السياسي الطائفي- المذهبي في لبنان المستمر إلى يومنا هذا.

مرفأ بيروت ومحور بيروت- دمشق
يمكن النظر إلى تطوّر مرفأ بيروت وتكوّن محور بيروت- دمشق للتجارة الدولية بين المنطقة وأوروبا على أنه العمود الفقري الذي سوف يُبنى عليه مشروعُ فرنسا لاستعمار سورية. نما دورُ مرفأ بيروت في الوقت الذي كانت دمشق تستحوذ فيه على نصيبٍ متزايدٍ من تجارة الحبوب والقطن ومن مستوردات آسيا. في العام ١٨٥٨، شقّت شركة فرنسية طريقًا للعربات اختصر الرحلةَ بين المدينتين. وسوف تبني الشركةُ ذاتُها خطَّ «سكة حديد حماه- دمشق وتمديداتها» الذي بدأ العمل به عام ١٨٩٤. وفي العام ١٨٨٠ باشرت شركة «ميساجري ماريتيم» الفرنسية للنقل البحري أعمالَ تطوير وتحديث مرفأ بيروت. وفي العام ١٨٨٨ نالت «الشركة العثمانية لمرفأ بيروت وأرصفته ومخازنه» (رأسمالها ٥ ملايين فرنك فرنسي) امتياز استثمار المرفأ لمهلة تنتهي في العام ١٩٤٧.

سريعًا، سبق مرفأُ بيروت مرافىءَ طرابلس وصيدا وعكا، وأحبطت المصالحُ الفرنسية والمحلية المرتبطة بشركة المرفأ مشروعَ تطوير ميناء جونيه ليخدم متصرفية جبل لبنان. وبناءً على التطور المتسارع للمدينة ومرفئها، أعلنتْ بيروت عاصمة لولاية عثمانية سمّيت على اسمها، تمتد على طول ساحل شرقي المتوسط من اسكندرون شمالًا الى عكا وحيفا جنوًبا، وتحوّلت المدينة إلى أحد أبرز مراكز التحديث المُدني العثماني في عهد «التنظيمات».

(**)
شكّل دور بيروت هذا منطلقًا لتخيّل قومي لوحدة سورية. وإذا كان بطرس البستاني أبرز روّاد «سورية الطبيعية» وأول مكتشفي أهمية بيروت ودورها التجاري، إلا أن تخيّلَ اقتصاد سياسي متكامل للمنطقة يعود إلى ابنه الصحافي والروائي سليم الذي رأى إلى سورية على أنها «منطقة وسيطة» تحتلّ موقع القلب من السلطنة العثمانية، محورها بيروت التي تلعب دور صلة الوصل بين شرق وغرب، تصدّر المحاصيل الزراعية المحلية وتستورد السلع المصنوعة. في مقال بعنوان «مركزنا» (١٨٧٢) قدّم البستاني وصفًا لعملية تبادل كولونيالي نموذجية لخّصها بقوله إن «مغناطيس المحصولات في هذا العصر هو ثروة الغرب وصناعته المتقنة»، واستطرد مادحًا بحماس الدور التجاري الوسيط المستجدّ على حساب العمل اليدوي والإنتاج الزراعي: «أصبحنا ونِعْمَ الصباح كالبَطن من الإنسان يعيش بتَعَبِ اليديَن والرجليَن وهو محمولٌ مكرّم». (بستاني، ١٨٣-١٨٦).

لم تخلُ مفاوضات سايكس- بيكو من نزاع على موانئ البحر الأبيض المتوسط كما على خطوط سكك الحديد والاراضي. بحصيلته كان مرفآ اسكندرون وبيروت من نصيب فرنسا ومرفآ عكا وحيفا من نصيب بريطانيا. وسوف يتحوّل المرفأ الأخير الى منافس جاد لمرفأ بيروت حتى أنه سوف يتفوّق عليه في أواسط الثلاثينيات من القرن الماضي. ولم تنتهِ المنافسة بين بيروت وحيفا حتى بعد قيام دولة إسرائيل وتطبيق المقاطعة العربية الاقتصادية عليها وقد تجدّدت مع اتفاقات التطبيع بين الامارات العربية واسرائيل.

استثمارات، موارد، تبادل غير متكافىء
في ظلّ وجود الجيش البريطاني في سورية وإعلان قيام حكومة عربية فيها منذ العام ١٩١٨، شنّت الاوساطُ الاقتصادية الفرنسية حملة دعاية وضغط على الحكومة من اجل البرهنة على ان تستحق ان تحتلها فرنسا لما تحويه من موارد وأسواق ومجالات استثمار واعدة.

مطلع العام ١٩١٩ انعقد «المؤتمر الفرنسي حول سورية» بدعوة من غرفتي التجارة والصناعة في ليون ومارسيليا طالب بـ«سورية تامة»، بما فيها فلسطين، وأكدت قراراتُه على موقع فرنسا الغالب في تجارة سورية وعلى اهمية استثماراتها المالية فيها، وقد أنشىء لتلك الغاية «بنك سورية» برأسمال قدره ١٠ ملايين فرنك فرنسي. [2]

في الزراعة شدد المؤتمر على أهمية المزروعات النقدية، خصوصًا الحرير والقطن والتبغ. وطالب باستعادة مرفأ اسكندرون وانشاء شبكة سكة حديد تعبُر سورية أفقيًّا من طرابلس الى بغداد وتربط تجارةَ فارس وبعض الهند بالبحر الابيض المتوسط وفرنسا لتنافس سكة حديد برلين- بغداد ذات رؤوس الأموال الألمانية- البريطانية والتصدّي لمدّ خطوطها إلى مرفأ حيفا على المتوسط. وكلّف المؤتمر بعثة علمية باستقصاء أحوال سورية الاقتصادية زارت سورية بين أيار/ مايو وأيلول/ سبتمبر من ذلك العام برئاسة پول هوڤلان (١٨٧٣-١٩٢٤) أستاذ تاريخ القانون في جامعة ليون. وصدر تقرير البعثة بعنوان معبّر «ما قيمة سورية؟» Que Vaut la Syrie?.

لم تختلف توصيات التقرير كثيرًا عن مقررات المؤتمر. إلى أولوية المنتجات التصديرية، أضافت توصيةً بأن تصير سورية مصدّرة للقمح. ودعا التقرير إلى تطوير الزراعة بتوسيع التسليف العقاري والزراعي وتجزئة الملكيات الزراعية الكبيرة وتمليك أراضي المشاعات للفلاحين. وحاجج التقرير صراحةً ضد التصنيع في سورية وبأي حجة استشراقية!! قال: إن «فردية السوريين» تشجّع على امتهانهم التجارة لا الصناعة!

في باب المواصلات، يأسف التقرير لخسارة مرفأ حيفا الواقع في أراضي الانتداب البريطاني وهو المرفأ الذي يصدّر قمح حوران الى اوروبا. على أن التقرير يعلّل بالبديل الجاهز: محور اسكندرون- حلب الذي تعمّده المنطقة المركزية للنمو الاقتصادي في سورية، مبشّرًا بأن «المستقبل يبتسم لحلب» (Huvelin, 52- 53). في المقابل، يعترف التقرير بأن مرفأ بيروت نما بسرعة ومعه المدينة بعد فتح طريق بيروت- دمشق، لكنه ليس يتوقع له أن يصير الثغرَ الكبيرَ لسورية على المتوسط لاقتصار زبائنه على البقاع وغوطة دمشق. من جهة أخرى، أكد التقرير أن موقع سورية الجغرافي يخوّلها لعبَ دور صلة وصل في التجارة الدولية بين أوروبا والداخل العربي والآسيوي، بدءًا من بلاد فارس، وقد شهدت تلك الفترة إنتاج الصورة النمطية عن سورية بما هي «ملتقى القارات الثلاث» و«صلة الوصل بين شرق وغرب». وفي الخلاصة يتلو هوڤلان فعل ايمان بأن سورية سوف تنتهج نهجًا «ليبراليًّا جدًّا… أقرب الى الاقتصاد الحر منه الى الحماية».

(*) بحث للمؤرخ والكاتب فواز طرابلسي يُنشر في مجلة “بدايات” ٢٨-٢٩، التي تصدر بعد عشرة أيام، وتتضمن ملفاً عن لبنان الكبير… وتنشره “المدن” على ثلاث حلقات.


[1]  والدول المشاركة في مؤتمر بيروت هي: بريطانيا، فرنسا، النمسا، روسيا، بروسيا، إيطاليا والسلطنة العثمانية.

[2] وأبرز المصالح الفرنسية القائمة أصلًا البنك الامبراطوري العثماني، شركة مرفأ بيروت، شركة سكة حديد دمشق حماه وتمديداتها، ارصفة القسطنطينية، شركة طريق بيروت- دمشق، شركات النقل البحري، وأشهرها «ميساجري ماريتيم»، وغيرها.

(*) الصورة الأولى: خريطة محافظة جبل لبنان، ١٨xx، publiée sous le patronage de la Société orientale de Münich، ر. هوبر. gallica.bnf.fr 

 (**) الصورة الثانية: Carte du Liban, brigade topographique du corps expéditionnaire de Syrie en 1860-1861, révisée en 1913 et 1915. bibliotheque-numerique.icp.fr