الرئيسية / مقالات / الاقتصاد اللبناني في مرحلة التضحيات بالمكتسبات المجهولة

الاقتصاد اللبناني في مرحلة التضحيات بالمكتسبات المجهولة

وسام سعادة
القدس العربي
05082019

أقلعت التركيبة الحاكمة عن «انتظارات النموّ» في السنوات الأخيرة، وأخذت تتبنى، بشكل متسارع، الرؤية «الأبوكاليبسية» عن الانهيار الاقتصادي الشامل المحدق بالبلاد ما لم يُصر إلى ترشيد الإنفاق العام وشدّ الأحزمة ثم شدّ الأمعاء.
انتقلت التركيبة الحاكمة من أوهام «الاستقرار» إلى ابتزاز البلد باحتمالات «الانهيار»، مستثنية في الوقت نفسه الليرة «المقاومة». ذلك أنّه، عند كلّ ذيوع لمؤشرات مقلقة حول الوضع المالي والاقتصادي، يخرج رياض سلامة، حاكم المصرف المركزي منذ 26 عاماً، بحديث الطمأنينة حول ثبات سعر صرف الليرة، منذ المدّة نفسها من الزمن الذي يشغل فيها منصبه، أو تزيد قليلاً. كما لو أنّنا أمام حالة طريفة من «وحدة العاشق والمعشوق»، يأتيان معاً… ويذهبان معاً.
كلّ هذا بالقفز على السؤال كلفة هذا الثبات وواقعيته، وجدوى امتناع نظام مالي في بلد ما عن أي تخفيض في سعر الصرف بهذا الشكل المزمن والمصطنع، ومن يربح فعلياً ومن يخسر من التدخّل «الإنقاذي» للمصرف المركزي، في كل مرّة، لحماية الليرة.
أيّاً يكن من شيء، تصوّر هذه التركيبة الحاكمة ثبات صرف الليرة على أنّه الزاوية المادية لاستقرار البلد باستقرارها هي كتركيبة حاكمة. أمّا سلامة نفسه، فقد استطاع منذ 1993 إلى اليوم تجاوز كل نزوة ميّالة لاستبداله في الموقع بمنصب آخر، وبقي اسمه يطرح في تداول المرشحين لرئاسة الجمهورية، في بلد لا تزال فيه قيادة الجيش وحاكمية المصرف المركزي من حصّة الطائفة المارونية.
منذ ربع قرن إلى اليوم تبدّلت كلّ الوجوه في كل المناصب العليا في الدولة، باستثناء شخصين: نبيه بري في رئاسة مجلس النواب، ورياض سلامة كحاكم للمصرف المركزي.
يجسّد سلامة الشكل المتعيّن للنيوليبرالية في النطاق اللبناني: تغليب «رأسمالية الدولة» الخاضعة لوصاية المؤسسات المالية الدولية، على «رأسمالية السوق» وليس العكس، وتحوّل حاكمية المصرف المركزي إلى نوع من حكومة رديفة، غير منبثقة عن مرجعية منتخبة أو ماثلة أمامها، وتستمد مشروعيتها «الوطنية» من مقاومة موجات تبديل سعر صرف الليرة. تتحكّم هذه الحكومة الموازية بالسوق المالية والعقارية، وتحجّم قدر المستطاع قانون العرض والطلب، مثلما تحجّم الاحتكارات و«الوكالات الحصرية» على صعيد مواز، حرّية التجارة والتزاحم الحرّ، على صعيد الاقتصاد ككل. بالتوازي، تستند رأسمالية الدولة على الطريقة اللبنانية إلى «كونسورسيوم» يجعل الحدود بين المصرف المركزي والمصارف الخاصة غير مرسومة بوضوح، وهو ما يجعلها رأسمالية دولة أوليغارشية بامتياز. في المقابل، هي تستند إلى قطاع عام ضخم بالنسبة إلى بلد عربي لم يعرّج يوماً على مرحلة «اشتراكية» من أي نوع، ويتعامل منذ نشأته مع التعليم، والاستشفاء، والماء، والكهرباء، كسلع تُشرى وتُباع ـ مع تعطيل قانون العرض والطلب أو مسخه، وتعطيل النظر في جودة المنتوج ـ وليس كحقوق مكفولة للمواطنين. رأسمالية لدولة أوليغارشية ببيروقراطية منتفخة إذاً، إنّما مقطوعة تماماً عن ألفباء التقديمات والمكاسب الاجتماعية… إلا من ناحية أنّ «التوظيف» في هذه الدولة، ومن خلال القنوات الطائفية، هو شكل من أشكال التقديم والأمان الاجتماعيين ضمن كلّ طائفة.
أكثر من مرّة، طيلة ربع القرن الماضي، انتابت الأكثر حماسة للنيوليبرالية بين «الخبراء»، فكرة «ترشيق» هذا القطاع العام، ما دام يتناقض أساساً مع الصفاء الكامل للفكرة الأوليغارشية التي يحازبونها، ثم يستوعبون على مضض بأنّ هذه الفكرة لا يمكن أن تستقيم في لبنان خارج وعاء البيروقراطية المركزية. هي الجسد، والمصرف المركزي هو منها بمنزلة الرأس.

دعوة رئيس الجمهورية إلى التضحية المرحلية يمكنها أن تساهم بفتح الباب على مصراعيه على السؤال المستبعد: من يضحّي لمن في هذا البلد؟ ولازمته: من يضحّي بمن؟

أسّس ذلك، منذ وقت طويل، لاقتصاد غير منتج، ومعاد للبيئة في آن، ولسيادة «ثبات سعر صرف الليرة» على قاعدة زيادة التبعية للمؤسسات المالية الدولية ولحركة ـ أو جمود حركة ـ البترودولار في المنطقة، إلى أن وصل هذا النموذج إلى يوم يتبنى فيه المنظار التشاؤمي المفترض أنّه مساق ضدّه، ويحاول أن يستثني من هذا المنظار استقرار الليرة ليس أقل وليس أكثر.
لم ينهر الاقتصاد مع ذلك في العامين الأخيرين مع شيوع هذه النظرة الأبوكاليبسية من فوق ومن تحت على أبعد نطاق، وتحوّلها إلى خطاب رسمي بشكل أو بآخر، من خلال دعوة رئيس الجمهورية إلى تنظيم «مقاومة اقتصادية»، ثم قبل أيام قليلة، دعوته المواطنين للاستعداد «للتضحية مرحلياً ببعض المكتسبات للمساعدة في مواجهة الأزمة الاقتصادية والمالية».
مثل هذه الدعوة أثارت على «السوشل ميديا» موجة من التحيّر بين الناس حول ماهية هذه المكتسبات الذين يطالبون بالاستغناء «المرحلي» عنها، في بلد لم يحبّذ أرباب الاقتصاد والسياسة فيه التقديمات الاجتماعية ولا التخطيط ولا الإنتاج بحجّة عدم الاستسلام أمام مخاطر الشيوعية. لكنه في الوقت نفسه، بلد يتمتع بطبقة وسطى كبيرة جداً، بخلاف كل أحاديث «اختفائها» المزعوم. هذه الكتلة من الناس الذي يتملكون شققاً سكنية وسيارات بأسعار لا يمكن أن يقارن بها أي حيز تملكي، وأي نمط معيشي، لطبقة وسطى في أي من بلدان العالم الثالث، هي ما يمنح رأسمالية الدولة الأوليغارشية ونظامها الطائفي استقراراً مجتمعياً، ولو على حساب العقد الاجتماعي والاقتصاد المنتج والأقل تبعية.
لكن الحدود بين هذه الطبقة الوسطى والطبقات الشعبية التي لا تتمتع بهذا الحيز من التملك العقاري ولا بنمط معيشي مريح، تخضع إلى حد كبير إلى عوامل التورية، الأمر الذي يجعل الأكثرية الساحقة من الناس «غير مرئية» إلا على نحو ضبابي وهلامي، مستبعد في الاقتصاد كما السياسة. هي الطبقات الشعبية التي تعيش من قوة عمل قسم من أبنائها في الداخل أو محولة من الخارج، لكن أيضاً في أجزاء بعينها من قسم من حركة تدوير المنافع المرتبطة بالحزبيات الأوليغارشية الطائفية النافذة.
فمن المفترض أن يضحي هنا بـ«مكتسباته» في بلد لا تعرّف فيه هذه الأخيرة بالتقديمات الاجتماعية المنتزعة من صراع طبقة عاملة، أو من اعتماد سياسات «كينزية» لتشغيل كل القوى العاملة، إلا إذا جرى النظر إلى التكافل الاجتماعي الجزئي ضمن كل طائفة على أنّه «كينزية مضمرة رثّة»؟
يودّ النيوليبراليون لو يضحّون بالقطاع العام المنتفخ، لكن مكابرتهم الموازية أمام قانون العرض والطلب وأمام المزاحمة الحرّة تعود فتمنعهم. أما المصارف نفسها فتعتبر أنها تعمل تطوّعياً، في مسلك التضحية، مذ وجدت، وأنّها «صمام الأمان». الأوليغارشية تعتبر نفسها صمام الأمان، والطبقة الوسطى صمّام الأمان، والطموح الغالب على أبناء الطبقة الشعبية هو أن لا يكونوا مرئيين ويتماهوا قدر مستطاعهم مع هذه الطبقة الوسطى. واللامرئي بامتياز هنا تبقى الطبقة العاملة، طبقة المنتجين الأجراء، هي بعرف «صمّامات الأمن» هذه، جميعها، غير موجودة.
دعوة رئيس الجمهورية إلى التضحية المرحلية يمكنها أن تساهم بفتح الباب على مصراعيه على السؤال المستبعد: من يضحّي لمن في هذا البلد؟ ولازمته: من يضحّي بمن؟
حتى الآن، ليس هناك إلا جواب يتيم على كل هذا، هو جواب حاكم المصرف المركزي: الاستعداد بالتضحية بكل ما يلزم كي يثبت سعر صرف الليرة.
طالما أن الطبقات الشعبية غير مستعدة، في المقابل، للتضحية بجزء من «لامرئيتها»، ولا تزال مهمومة بسعر صرف الليرة، وكيفية تمكين رئيس الحكومة من حصول على ديون إضافية لخدمة الدين، وكيفية عدم تراجع قيمة الثروة العقارية والأنماط المعيشية للطبقة الوسطى، فإنّه ليس هناك من جواب آخر، باستثناء أن يبلغ هذا الطور من التاريخ الاقتصادي المالي للبنان، طور سلامة وثبات سعر الصرف، خواتيمه المنطقية الفعلية.

كاتب لبناني

اضف رد