الرئيسية / home slide /
الاقتداء بمقتدى هو الحلّ!


الاقتداء بمقتدى هو الحلّ!

 

جلبير الأشقر
القدس العربي
31082022

ليست هي المرة الأولى التي يعلن فيها الزعيم السياسي ـ الديني ـ الطائفي العراقي مقتدى الصدر أنه يعتزل السياسة، أو يهدّد بالأمر. والحال أن أهل العراق اعتادوا أن يروا في إعلانه «الاعتزال» أو تهديده به تعبيراً عن سخطه من حالة مستعصية في وجهه لا يستطيع التغلّب عليها بالوسائل السياسية المعتادة، فيعتزل وهو يراهن على أن اعتزاله سيحفّز غليان أنصاره وإصرارهم على عودته ويعزّز بالتالي من مكانته في اللعبة السياسية بما يفرض على سائر اللاعبين النزول عند رغباته.
ولن يبدّل في الأمر كثيراً أن مرجع التقليد الذي اقتدى به مقتدى حتى الآن قد تنصّل منه بكلمات جارحة. فقد شكّك الصدر باستقلال مرجعه، كاظم الحائري المقيم في مدينة قمّ، لاسيما وأن تنصّل هذا الأخير من مريده قد ترافق باعتزاله المرجعية ودعوته إلى الولاء للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
هذا هو السبب الذي حدا بالصدر، وقد بات يحتاج إلى تقليد مرجع آخر، إلى التشديد على أسبقية النجف العراقية على قمّ الإيرانية. وهذا ينسجم بالطبع مع الوطنية العراقية والقومية العربية اللتين تعدّتا الطائفية إلى حدّ ما من خلال التعاون مع القوى السنّية واللتين جعلهما الصدر ميّزتين أساسيتين لنهجه منذ بروزه على الساحة إثر الاحتلال الأمريكي للعراق قبل ما يناهز عشرين عاماً. وهو الأمر الذي وضع الصدر خلال معظم السنوات المنصرمة في تعارض مع القوى العراقية الموالية لطهران، التي تتمثّل الآن بأخصام الصدر الرئيسيين المجتمعين في ائتلاف القوى الطائفية الشيعية، الإيرانية الولاء، المعروف باسم «الإطار التنسيقي».
وهذا ما يفسّر أيضاً لِمَ انصبّ سخط أنصار مقتدى الصدر، إثر إعلانه الاعتزال، على رموز الهيمنة الإيرانية على العراق بما فيها صوَر قاسم سليماني، الذي كان بمثابة والي العراق بصفته قائد «فيلق القدس» في «حرس الثورة الإسلامية» الإيراني، وهو الفيلق الذي يُشرف على التشكيلات السياسية-العسكرية الموالية لطهران في شتى الساحات العربية، وصوَر أبو مهدي المهندس، ساعد سليماني الأيمن في الساحة العراقية، وكان الرجلان قد تعرّضا لاغتيال بواسطة طائرة مسيّرة أمريكية في مطلع عام 2020.

هذا النظام العفن الجامع بين المحاصصة الطائفية والرأسمالية الهمجية هو الذي هبّت الانتفاضة «التشرينية» في خريف عام 2019 لتتصدّى له وتطالب بإسقاطه

والحقيقة أن التخاصم بين «الإطار التنسيقي» ومقتدى الصدر إنما يرمز ببلاغة إلى حالة سياسية بات الصراع الرئيسي فيها يدور بين قوى طائفية (بمعنى أنها تستند إلى قاعدة مشكّلة طائفياً) لا بل قوى دينية أصولية تلتقي على مزج الدين بالسياسة، وإن اختلفت في مواقفها الدينية كما والسياسية. ولا ينطبق هذا الأمر على شيعة العراق وحسب، بل ينسحب أيضاً على سنّة العراق العرب الذين غلبت في صفوفهم شتى القوى الطائفية والدينية بعد عام 2003، من قوى «معتدلة» إلى جماعتين بالغتي التطرّف كالقاعدة وداعش.
وهذه الحالة المُزرية هي الإرث الكارثي الذي نجم عن إسقاط حكم الطاغية صدّام حسين، ليس بفعل موحّد من غالبية الشعب العراقي بكافة مكوّناته الطائفية والعرقية، بل باحتلال أمريكي ترافق بفتح باب العراق على مصراعيه أمام قوى طائفية موالية للحكم الأصولي الإيراني، جلبها الاحتلال معه من منفاها إلى بغداد في حالة فريدة وقصوى من الغباء السياسي ميّزت إدارة جورج دبليو بوش وجماعة «المحافظين الجدد» التي طغت فيها في سنواتها الأولى (عزوا غباءهم لاحقاً إلى احتيال غير المأسوف عليه أحمد الجلبي، الذي اتهموه بالعمالة لطهران).
لا بل عمل الاحتلال الأمريكي على ضمان ديمومة هذه الحالة المُزرية بصياغته دستوراً للعراق مستوحىً من النموذج اللبناني البائس والمهترئ وقائماً بالتالي على المحاصصة الطائفية والعرقية في سياق اقتصادي من رأسمالية فاحشة بلا قيود على الطريقة اللبنانية، بما أدّى إلى استفحال الفساد الذي بلغ في النظام العراقي كما في نظيره اللبناني ذروتين من ذرواته العالمية.
إن هذا النظام العفن الجامع بين المحاصصة الطائفية والرأسمالية الهمجية هو الذي هبّت الانتفاضة «التشرينية» (نسبة إلى شهر تشرين الأول/ أكتوبر) في كلٍ من البلدين في خريف عام 2019 لتتصدّى له وتطالب بإسقاطه واستبداله بنظام قائم على ديمقراطية لا طائفية وعدالة اجتماعية. وبالرغم من الهزيمة التي مُنيت بها القوى «التشرينية» في البلدين، والتي كان لجائحة كوفيد-19 دور أكيد في تحقيقها، فإن قسماً منها لا يزال يواصل النضال كالنار الراقد تحت الرماد بانتظار التهاب جديد، وهو محتّم إذ إن الظروف قابلة للاحتراق بل وللانفجار بصورة لا تني تتفاقم.
أما مقتدى الصدر، فليس هو الحلّ في العراق بالتأكيد، بل هو وجه من أوجه المشكلة. وإن كان في ما فعله ما يستحق أن يقتدي به غيره من أركان النظام العراقي، فهو اعتزال السياسة: لو اعتبر كافة زعماء العراق السياسيين باعتزال الصدر وقلّدوه، كما تمنّى هو عليهم، لأدّوا إلى بلادهم خير خدمة يمكنهم تأديتها شرط أن يكون اعتزالهم صادقاً ونهائياً.

كاتب وأكاديمي من لبنان